قررت ليلة أمس بعد استهداف إيران السافر لمدينتي العقبة والمفرق أن أعبث بأسلاك الزمن، وأنتقل من دائرة الخبر إلى منطقة الافتراض، وسألت نفسي سؤالاً: ماذا لو بقي الشاه؟ والسؤال شرارة تفكير وجودي: ماذا لو أن التاريخ اختار مساراً آخر؟ كانت إيران في عهد الشاه ملكية مركزية قادها محمد رضا بهلوي كمشروع دولة مدنية على نمط غربي، دولة استبداد وقمع سياسي يقوده جهاز “السافاك، تضييق على الحريات، وعلى الأحزاب، وتهميش لرجال الدين، لكن إيران الشاه آنذاك كانت دولة أكثر من أن تكون قضية تبحث عن دور إقليمي، رأت نفسها قوة طبيعية في الخليج تنافس العرب، وتتمسك بالجزر الإمارتية الثلاث، ولكنها تقيم علاقاتها مع دول المنطقة على أسس من التنافس والبراغماتية.
وربما لو بقي الشاه لكان الوضع الاقتصادي للمواطن الإيراني أفضل بكثير مما هو عليه في زمن “الثورة” التي مضى على قيامها نحو نصف قرن وما زالت مستمرة، ولكان التعليم والصناعة والبنى التحتية أفضل مما هي عليه اليوم، وربما لو نجا الشاه لقام بتوسيع هامش المشاركة، وربما قلل من قبضة الأمن، وتحول الاستبداد إلى استبداد مخفف يعاد تشكيله من جديد، وربما توجّه إلى تشديد القبضة الأمنية ليزيد من القمع، ويحدُث الانفجار في زمن لاحق، لكن حال المواطن الإيراني من حيث الدخل وفرص العمل والانفتاح على العالم كان سيكون أفضل وإن استمرت الفوارق الطبقية، فيما يقوم الكيان الحالي على المزج بين نظام ثوري قاس، والأمن الصلب الذي
لا يفتقد العنف والاستبداد، وهو استبداد يختلف عن ذلك الذي كان في زمن الشاه، استبداد لم يكن يدّعي تمثيل السماء.
كان المجتمع في زمن الشاه أكثر علمانية في الفضاء العام، وأكثر انفتاحاً على الغرب مع استمرار حضور الدين في المجتمع لكن خارج مركز السلطة، ولو بقي الشاه لكان المواطن الإيراني يعيش في دولة أكثر ثراء، وأكثر رخاء، وأقل عزلة، وليس بالضرورة أن تكون أكثر عدلاً أو حرية، والفارق بين زمن الشاه وزمن “الملالي” أن تلك كانت تميل إلى أن تكون أمة بالمعنى الكلاسيكي للدولة، فيما اختارت إيران ما بعد الثورة أن تكون قضية تحمل مشروعاً عابراً للحدود وتستخدم من أجل تحقيقه الإيدولوجيا الدينية وشبكة الميليشيات، وهو مشروع تصدير الثورة الذي جاء به الإمام الخميني، وورثه الحرس الثوري وعقيدة محاور المقاومة، أي شبكة الميليشيات الممتدة من لبنان إلى العراق إلى اليمن.
ولو بقي الشاه لبقيت الحساسية بين إيران ودول الخليج، لكن أدوات الصراع ستكون أقرب إلى الدبلوماسية والتحالفات وليس الصواريخ الباليستية والمسيرات والميليشيات العابرة للحدود، ومن شبه المؤكد أن الأردن لم يكن يتعرض إلى اعتداءات سافرة من هذا النوع الذي نراه لو بقي الشاه، لأن إيران ذلك الزمان لم تكن تتعامل مع المنطقة كمساحة ثورية، ولكن كساحة نفوذ تقليدي ضمن منظومة غربية حيث الأردن حلف للولايات المتحدة كما كانت إيران، وكان التنافس سيستمر في الخليج في إطار لعبة القوى التقليدية لا في إطار صراع مذهبي توسعي مسلح، ولكانت القضية الفلسطينية قضية عربية مع حضور إيراني براغماتي محدود.
كان شكل الحياة سيتغير بالضرورة لو بقي الشاه، وربما لم يكن الصراع سيختفي، لكنه لن يأخذ شكل العنف والانخراط في اعتداءات صارخة على دول المنطقة، وربما لوجدنا توتراً بارداً مع الأردن، لكن ليس باعتداءات عسكرية مباشرة أو عبر وكلاء لدولة لم تتدخل في الصراع، ولم يفسح
الأردن سماءه لأي من أطراف الصراع لعبور طائرات أو مسيّرات أو صواريخ، ولم يسمح لأي طرف في استخدام قواعده العسكرية، وما فعلته إيران اليوم، وما تفعله على الساحة الأردنية ما هم إلا نتاج تحولها من دولة إلى قضية ترى نفسها في صراع مفتوح مع منظومة كاملة، وتستخدم الجغرافيا العربية كساحة اشتباك دون مراعاة لجوار أو حوار، ودون مراعاة حتى للدين الذي يتصدر مشروعها الهادف إلى السيطرة والهيمنة، ولو بقي الشاه لاستيقظت عمّان وعُمان والرياض وأبو ظبي والدوحة والمنامة على أخبار أقل قسوة بكثير، ذلك أن التفكير الرجعي عبر الزمن سيمنحنا شيئاً مهماً؛ أن نفهم أن ما نراه اليوم هو نتيجة خيارات للشعب الإيراني قبل نحو نصف قرن تغيرت فيها اللغة والأدوات، وغيرت معها شكل الألم في الإقليم كله.