عد ملايين المشجعين وعشاق كرة القدم حول العالم لانطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، الأسبوع المقبل، تخوض السلطات الصحية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مباراة من نوع مختلف، عنوانها حماية أكبر حدث رياضي عالمي من مخاطر الأمراض المعدية.
حركة السفر
وتكتسب المهمة أهمية استثنائية هذا العام، إذ تُقام البطولة للمرة الأولى في 16 مدينة موزعة على ثلاث دول، وبمشاركة 48 منتخباً، ما يجعلها النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم، وسط استمرار تفشي فيروس إيبولا في بعض مناطق أفريقيا وارتفاع المخاوف من انتقال الأمراض عبر حركة السفر الدولية المكثفة.
ورغم تصدر فيروس أيبولا عناوين الأخبار بعد تفشيه في أجزاء من الكونغو وأوغندا، يؤكد خبراء الأمراض المعدية أن احتمالات انتقاله على نطاق واسع خلال البطولة تبقى منخفضة للغاية.
ويعود ذلك إلى طبيعة الفيروس الذي لا ينتقل بسهولة بين الأشخاص، إذ يحتاج إلى اتصال مباشر بسوائل جسم المصاب أو دمه، على عكس الفيروسات التنفسية التي تنتشر عبر الهواء.
وسجلت السلطات الصحية العالمية أكثر من 260 إصابة مؤكدة بالإيبولا، إلى جانب التحقيق في أكثر من ألف حالة محتملة في أفريقيا، إلا أنه لم يتم تسجيل أي إصابة داخل الولايات المتحدة حتى الآن.
ويشير مختصون إلى أن المصابين بالإيبولا غالباً ما تظهر عليهم أعراض شديدة تمنعهم من حضور التجمعات الجماهيرية أو السفر لمسافات طويلة، ما يقلل من احتمالات انتشار المرض بين الجماهير.
القلق الاكبر
لكن المفاجأة أن القلق الأكبر لدى مسؤولي الصحة لا يتعلق بإيبولا، بل بمرض (الحصبة)، الذي يعد من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً في العالم.
ويحذر خبراء الصحة العامة من أن آلاف الزوار القادمين من مختلف الدول قد يساهمون في نقل العدوى بسرعة بين المدن والدول المستضيفة، خاصة مع تراجع معدلات التطعيم في بعض المناطق.
وتأتي هذه المخاوف بعد أن سجلت الولايات المتحدة العام الماضي أعلى عدد من إصابات الحصبة منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث تجاوزت الحالات المؤكدة 2100 إصابة، في مؤشر أثار قلق الجهات الصحية.
تهديدات محتملة
ورغم تراجع تأثير جائحة “كوفيد – 19″، مقارنة بالسنوات الماضية، لا يزال الفيروس ضمن قائمة التهديدات المحتملة خلال البطولة، إلى جانب الإنفلونزا الموسمية وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى.
ويرى الخبراء أن سهولة انتقال هذه الأمراض عبر الهواء تجعلها أكثر قدرة على الانتشار بين الجماهير مقارنة بالإيبولا، خصوصاً داخل الملاعب ووسائل النقل والمطارات وأماكن التجمع.
ولا تقتصر التحديات الصحية على الفيروسات فقط، إذ يراقب المسؤولون أيضاً أمراضاً تنقلها الحشرات مثل حمى الضنك وزيكا وشيكونغونيا، إضافة إلى حالات التسمم الغذائي والإجهاد الحراري الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في بعض المدن المستضيفة.
كما تم تعزيز الرقابة على المطاعم وبائعي الأغذية في محيط الملاعب والمناطق السياحية لضمان الالتزام بالمعايير الصحية خلال فترة البطولة.
برامج مراقبة
واستعداداً للحدث العالمي، وسعت السلطات الصحية برامج المراقبة الوبائية بشكل غير مسبوق، مستفيدة من الدروس التي خلفتها جائحة كورونا.
ومن أبرز الأدوات المستخدمة حالياً مراقبة مياه الصرف الصحي، التي تسمح بالكشف المبكر عن انتشار الأمراض داخل المجتمعات قبل ظهور أعداد كبيرة من الحالات المؤكدة.
كما تم تطوير مختبرات متنقلة قادرة على إجراء الفحوصات السريعة في مواقع الفعاليات، إلى جانب تعزيز أنظمة تتبع الأمراض ومراقبة الحشرات الناقلة للفيروسات.
إجراءات خاصةوفي إطار الإجراءات الاحترازية، فرضت السلطات الأمريكية تدابير إضافية على المسافرين القادمين من الدول المرتبطة بتفشي الإيبولا.
ويخضع القادمون من الكونغو وأوغندا وجنوب السودان لفحوصات صحية خاصة عند وصولهم إلى مطارات محددة، تشمل مراجعة تاريخ السفر وقياس درجات الحرارة ومتابعة حالتهم الصحية لمدة تصل إلى 21 يوماً، وهي فترة حضانة المرض.
اختبار حقيقي للجاهزية الصحية
وتأتي البطولة في وقت تواجه فيه بعض المؤسسات الصحية الأمريكية تحديات مرتبطة بتقليص الميزانيات وخفض أعداد العاملين، ما يزيد من أهمية التنسيق بين الجهات المحلية والفيدرالية والدولية.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولو الصحة أن الأنظمة الحالية جاهزة للتعامل مع أي تهديدات محتملة، وأن التجهيزات الموضوعة تمثل واحدة من أكبر عمليات الاستعداد الصحي المصاحبة لحدث رياضي عالمي.
ويرى الخبراء أن كأس العالم 2026 لن يكون مجرد اختبار لقدرات المنتخبات داخل المستطيل الأخضر، بل سيكون أيضاً اختباراً عالمياً لأنظمة الصحة العامة وقدرتها على حماية ملايين الزوار في عصر تتسارع فيه حركة السفر وتتزايد فيه المخاطر الوبائية.
وبينما تتركز أنظار العالم على أهداف اللاعبين داخل الملاعب، ستكون هناك معركة أخرى تدور خلف الكواليس لضمان أن تبقى البطولة الأكبر في التاريخ حدثاً رياضياً آمناً للجميع.