26
الدكتور عبد الله الزعبي
أثناء عملي في جامعة مؤتة، أتيح لي أن أقوم بزيارة إلى روسيا عام 1996، وتحديداً مدينة سانت بطرسبيرغ، كانت من أمتع الرحلات وأبهجها للنفس وأعمقها رسوخاً في الذاكرة. تظافرت عدة أمور لإثراء الرحلة، أولها طبيعة المدينة ومعالمها التاريخية والثقافية؛ حيث عظمة القصور الإمبراطورية ورصانة المتاحف الفنية وألق قنوات نهر نيفا المائية التي تحيلها تحفة معمارية مسكونة بعبق الماضي وروح الأدب العميقة. ثانيها، الليالي البيضاء التي تشبه حلم سرمدي تغيب عنه الظلمة؛ إذ تتأرجح الشمس عند حافة الأفق دون أن تغرب، فتكتسي المدينة بوهج فضيل شفاف ينعش الروح بالشاعرية. ثالثها، هيبة روايات دوستويفسكي وشعر بوشكين التي تغدو متحفاً حياً ينبض بالإبداع الإنساني الخالد.
صاحبني في تلك الرحلة واحدة من أبلغ الروايات وأشدها تغلغلاً في الوجدان؛ إذ تنبثق “كيف سقينا الفولاذ” حكاية تروى بنبض الإرادة التي لا تقهر؛ ذاك الفتى “بافل كورشاغين” الذي يعكس سيرة الكاتب نيكولاي أستروفسكي الذاتية، خطها من جمر الوجع ونار النضال. تبدأ مسيرة الراوي من قاع البؤس والفقر الصامت، وحياة مثلما شرارة طافية في مهب الريح، تتحول إلى ورشة قاسية يحمى فيها الحديد بالمعارك والبرد القارس، ويغمس بلا رحمة في مياه الشدائد المفاجئة، كي يكتسب صلابته الاسطورية. يخوض بافل معاركه الميدانية في بدايات الثورة البلشفية، ويدخل ملحمة البناء المضني وسط الثلوج والجليد، حيث يذوب الجسد ليفتدي الفكرة، وتتساقط أجزاؤه قطعة تلو الأخرى تحت وطأة الإصابات الجسيمة والإنهاك اللاإنساني. وفي الغمرة التي كان يفترض فيها أن يستسلم للظلام، حين فقد قدرته على الحركة وأطفئ نور عينيه وهو في زهرة شبابه، تتجلى الروح في أبهى مظاهر استعلائها على العجز.
رفض بافل أن يتراجع إلى زوايا النسيان، بل أدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الشرارة التي تقطن الأرواح وتأبى الانطفاء. حول بافل الألم إلى حبر، وصار يملي سيرته وكلماته بنبضات قلبه وأنفاسه المتبقية، محولاً معاناته إلى ملحمة تتجاوز حدود الجسد والمكان. إنها قصة تتجاوز سياقها التاريخي لتصبح ترنيمة إنسانية مريرة في اتخاذ المحن معبراً نحو التسامي؛ تذكرنا بأن الإنسان حين يستند إلى هدف أسمى، يستطيع أن يجعل من انكساراته دروعاً، ومن ظلمة عجز الحواس دليلاً يضيء للآخرين دروب الأمل. وهكذا، سقى بافل الفولاذ بإرادة إنسانية حية رفضت أن تنكسر أمام عواصف الحياة. تلك رواية جديرة أن تقرأ في عتمة المعاناة وصخب التحولات الكبرى، وحين تتلاشى الحدود بين الليل والنهار، وحين يبقى الزمن معلقاً في ثنايا الليالي البيضاء.