د. مهند صالح الطراونة
عن الجدل الدستوري المثار بشأن نص المادة (2) من مشروع قانون الملكية العقارية لسنة 2026،أوضح أنه وبمقارنة النص الوارد بمشروع القانون بالنص القائم لتعريف الطريق وجد انه ذات النص مع إضافة عبارة ( سكك الحديد ) ، وهو مايكشف عن الغاية التي يرنو المشرع إليها وهي اضافة حكم جديد يتضمن إدراج سكك الحديد ضمن مفهوم الطريق الأمر الذي يفضي إلى خضوع سكك الحديد لذات الأحكام التنظيمية الخاصة بالطرق،ومنها أحكام بالاستملاك للمنفعة العامة التي اثير بشأنها الجدل بعدم الدستورية بالنسبة لسكك الحديد لمخالفتها لنص المادة (11) من الدستور الأردني .
وبالرجوع للأحكام التي كرسها نص المادة (11) من الدستور ، يتضح أنها تنص على أن : ” لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفـي مقابل تعويض عادل حسبما يعين فـي القانون “وتتضمن مبدأين يتوجب الإلتزام بأحكامهما ، الأول أن يكون هدف الإستملاك تحقيق المنفعة العامة ،والثاني أن يتم دفع تعويض عادل إلى المالك، ولقد ذهبت المحكمة الدستورية -في حكمها رقم (1) لسنة 2019 – في معرض تفسيرها للنص سالف الذكر أن الدستور بقوله ” حسبما يعين في القانون” قد فوض المشرع ، لوضع قانون ، يتولى الآليات والوسائل القانونية التي بمقتضاها تتوفر مكنة تنفيذ مبدآن مقرران دستوريا وقانونياً منذ ثلاثينيات القرن الماضي حيث كان قانون الإستملاك وتعديلاته لسنة 1931 ، والمنشور في الجريدة الرسمية بالعدد رقم (293) بتاريخ 16/ 2/ 1931،يتناول بالتنظيم جميع الأحكام المتعلقة بالإستملاك ومنها موضع إقتطاع الربع القانوني المجاني من الأرض المستملكة ،المنصوص عليه وفقا للفقرة (أ) من المادة (11) من ذات القانون .
وإستكمالاً للبحث وحتى يتضح بجلاء مفهوم عبارة ” التعويض العادل ” اشير إلى ماهيتها وفحواها الذي جاء ظهيرا وفقا للقاعدة العامة الواردة في المذكرة الإيضاحية للمادة (256) من القانون المدني ، المستمدة من فقه وثوابت الشريعة الإسلامية ومفادها ” إن كل فعل يصيب الغير بضرر فإنه يستوجب التعويض ، ويستفاد من ذلك أن التعويض العادل هو التعويض الذي يشمل كافة الأضرار التي تلحق بالمتضرر ،وبالقدر الذي يجبر تلك الأضرار ،وتجدر الإشارة ان المقصود بكلمة الاضرار هنا هي الأضرار المباشرة التي تكون نتيجة طبيعية للأفعال التي أحدثتها ، وهي الاضرار الشاملة لكل صور واشكال الضرر بما في ذلك مافات المتضرر من كسب ذلك وفقا لحكم المادة (266) من القانون المدني .
وحيث أن إثبات الضرر هو الأساس الذي تقوم عليه الضمانة الدستورية للتعويض العادل ، فلا يستقيم تقدير التعويض إلا إذا ثبت الضرر بأدلة موضوعية تكشف حقيقته ومداه ،كأعمال الخبرة والمعاينة والمستندات وسائر وسائل الإثبات المقررة قانوناً ، إذ أن التعويض الذي لا يستند إلى ضرر ثابت ومحقق لا يكون تعويضا عادلاً بالمعنى الذى كرسه الدستور ، وإنما يغدو تقديرا مجرداً يفتقر إلى الاساس الموضوعي الذي تؤسس عليه حماية الدستور لحق الملكية .
ولما كان ذلك ،وكان الجدل بشأن وجود شبهة عدم دستورية فكرة إدراج سكك الحديد ضمن الطريق قد تـأسس على مخالفتها قاعدة ” التعويض العادل ” الواردة بنص المادة (11) من الدستور ، فإنه بذلك قد حكم على النص بعدم الدستورية دون التحقق من وجود الضرر من عدمه، كما أنه خالف مااستقر عليه القضاء الدستوري الاردني والمقارن بأن الأصل في نصوص القانون هو السلامة الدستورية، و أنها تفسر بإفتراض تكاملها باعتبار أن كلا منها لا ينعزل عن غيره، وإنما تجمعها تلك الوحدة العضوية التي تستخلص منها مراميها، ويتعين بالتالي التوفيق بينها، بما يزيل شبهة تعارضها ويكفل اتصال معانيها وتضاممها، وترابط توجهاتها وتساندها،
الأمر الذي أرى معه أنه لا يمكن القطع بأن فكرة إدراج سكك الحديد بالطريق تشكل شبهة عدم دستورية ،مع التأكيد بما ردده الزملاء ان المنفعة العامة والتعويض العادل تشكلان الأساسان في مسألة الاستملاك ، وان القانون هو الذي ينظم ذلك دون الخروج على هذه الأسس.
وأخيرًا، ولدرء أي شبهة بعدم الدستورية قد تثار بشأن هذه الجزئية، يمكن إعادة صياغة النص بما يوفر مزيدًا من الضمانات التشريعية الكفيلة بتحقيق التعويض العادل، تأكيدًا للحماية الدستورية المقررة لحق الملكية، وتعزيزًا للثقة بأن الاستملاك لن يجاوز حدود المنفعة العامة أو ينتقص من مقتضيات العدالة التعويضية التي كفلها الدستور.