الرمثا نت
يُعد اختفاء مستوطنات الفايكنج في جرينلاند واحداً من أكثر الألغاز التاريخية التي حيّرت العلماء والمؤرخين لعقود طويلة.
فالمستوطنون النورسيون الذين وصلوا إلى الجزيرة عام 985 ميلادية نجحوا في تأسيس مجتمعات زراعية مزدهرة استمرت أكثر من 400 عام، قبل أن تختفي تدريجياً بحلول أوائل القرن الخامس عشر، تاركة وراءها كنائس حجرية ومزارع مهجورة وآثاراً لا تزال قائمة حتى اليوم.
ولسنوات طويلة، سادت فرضية مفادها أن الفايكنج اضطروا إلى مغادرة جرينلاند بسبب الانخفاض الكبير في درجات الحرارة مع بداية ما يعرف بـ”العصر الجليدي الصغير”، وهي فترة شهدت برودة استثنائية أثرت في مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي وفق iflscience.
وبدا هذا التفسير منطقياً، خاصة أن جرينلاند تُعد من أكثر مناطق العالم برودة، وأن أي انخفاض إضافي في درجات الحرارة كان كفيلاً بجعل الزراعة شبه مستحيلة.
لكن دراسة علمية نُشرت عام 2022 في مجلة Science Advances قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب، بعدما توصل الباحثون إلى أن العامل الأكثر تأثيراً لم يكن البرد، بل الجفاف المتزايد الذي أصاب جنوب جرينلاند على مدى قرون.
وقاد فريق البحث دراسة ميدانية بالقرب من مستوطنة “براتاهليد”، إحدى أهم وأكبر المستوطنات النوردية التاريخية، حيث جمع العلماء عينات من رواسب بحيرة تقع على بعد نحو تسعة كيلومترات فقط من الموقع الأثري. وتُعد هذه المرة الأولى التي يجري فيها تحليل مناخي اعتماداً على بيانات مأخوذة من المنطقة نفسها التي عاش فيها الفايكنج، بعدما اعتمدت الدراسات السابقة على عينات جليدية من مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن أماكن الاستيطان.
وكشفت نتائج التحليل أن درجات الحرارة خلال فترة وجود الفايكنج لم تتغير بالقدر الذي كان يُعتقد سابقاً، بينما شهدت المنطقة انخفاضاً تدريجياً ومستداماً في معدلات هطول الأمطار.
وأدى هذا الجفاف إلى تراجع إنتاج المراعي والمحاصيل، وهو ما شكل ضربة قاسية للمجتمع الذي اعتمد بشكل أساسي على تربية الأبقار والأغنام والماعز.
وكانت الحياة الزراعية في جرينلاند صعبة حتى في أفضل الظروف، ففي الشتاء، كان المزارعون يحتفظون بماشيتهم داخل الحظائر لأشهر طويلة، معتمدين على الأعلاف التي يجمعونها خلال الصيف، لكن مع تراجع الأمطار، تقلصت كميات العشب والمحاصيل، ولم يعد بالإمكان توفير الغذاء الكافي للحيوانات حتى نهاية فصل الشتاء، ما أدى إلى انخفاض أعداد الماشية وتراجع الإنتاج الغذائي عاماً بعد آخر.
ومع تفاقم الأزمة، اضطر كثير من السكان إلى الاعتماد بصورة أكبر على صيد الفقمات والثدييات البحرية لتعويض النقص في الغذاء. إلا أن هذا الخيار لم يكن مستقراً، إذ كان يعتمد على الظروف البحرية، كما أصبح الوصول إلى مناطق الصيد أكثر صعوبة مع توسع الجليد البحري الذي أعاق أيضاً حركة السفن والتجارة مع أوروبا.
ويرى الباحثون أن انهيار المستوطنات لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية، من بينها تراجع التجارة مع أوروبا، وصعوبة الحصول على الموارد، والتغيرات الاجتماعية داخل المجتمع النورسي.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن الجفاف كان العامل المناخي الأكثر تأثيراً، لأنه قوض أساس الاقتصاد الزراعي الذي اعتمد عليه الفايكنج طوال قرون.
وتمنح هذه النتائج العلماء فهماً جديداً للعلاقة بين المناخ والحضارات، إذ توضح أن نقص المياه قد يكون أكثر خطورة من انخفاض درجات الحرارة في بعض البيئات.
كما تؤكد أن المجتمعات البشرية قد تواجه تحديات وجودية عندما تتغير الظروف البيئية تدريجياً، حتى وإن لم تبدُ هذه التغيرات كبيرة في بدايتها.
وبعد أكثر من ألف عام على وصول الفايكنج إلى جرينلاند، وما يقارب ستة قرون على رحيلهم، لا تزال آثارهم الحجرية شاهدة على واحدة من أبرز قصص التكيف مع الطبيعة، وعلى النهاية التي لم يصنعها البرد كما اعتقد كثيرون، بل صنعها الجفاف الذي سلب الأرض قدرتها على إعالة سكانها.