الخطر في الذكاء الاصطناعي ليس ما ستصبح عليه الآلة، بل ما نحمله نحن إليها من سياسات وصراعات.
في استوديو تلفزيوني قبل أيام، طُلب من أربعة من أعمق العقول العاملة على الذكاء الاصطناعي أن يكتب كل منهم، في مغلّف مختوم وبمعزل عن الآخرين، احتمال أن يُفني هذا الاختراع البشرية بأسرها. حين فُتحت المغلفات، جاءت الإجابات: صفر بالمئة، صفر بالمئة، فوق العشرة بالمئة، وتسعة وتسعون بالمئة. أربعة خبراء، الوقائع نفسها أمامهم، والتسريبات نفسها عن مهندسين داخل كبريات شركات الذكاء الاصطناعي يعترفون سرا بخشيتهم من أن يقتلنا ما يصنعونه بأيديهم قبل نهاية هذا العقد، وأربع نتائج متناقضة كليا.
هذا مثال حي على أن أذكى العقول قد تعجز عن الاتفاق حتى على حجم الخطر. عندها لا نكون أمام مشكلة هندسية تنتظر حلا تقنيا، بل أمام لحظة حضارية تتطلب حكمة جماعية بحجم القوة التي أطلقناها، ربما لم نحتج إلى مثلها منذ اكتشف الإنسان النار أو منذ شطر الذرة.
حتما لم تعد هذه الآلات مجرد أدوات نُحسن استخدامها أو نُسيء توظيفها؛ إنها اليوم كيانات تحاكي أعمق ما فينا وتتماهى معه وتتفوق عليه بسهولة.
الخطر الأعمق أن تتقدم قدرات هذه الأنظمة بوتيرة أسرع من قدرتنا على فهم آثارها وتقييم مخاطرها وبناء آليات فعالة لضبطها، وأن يظل تطوير النماذج الأكثر تقدما متركزا لدى عدد محدود من الشركات والدول في سباق على التفوق، بينما تتأخر الأطر المشتركة للسلامة والمساءلة والحوكمة والمعايير الأخلاقية. هنا تنشأ الفجوة الحقيقية: قوة تقنية تتسع بسرعة، ومؤسسات ما تزال تتعلم كيف تفهمها وتضع لها الحدود. كأننا نزيد كل يوم قدرتنا على إشعال النار، بينما علم إطفائها وقواعد استخدامها الآمن لا يزالان يحاولان اللحاق بها.
والمفارقة أن هؤلاء الخبراء الأربعة، رغم اختلافهم الحاد حول احتمالات الفناء، اتفقوا، دون أن يقصدوا، على تشخيص واحد: أن منظومات الحوكمة العالمية لهذه التقنية متخلّفة عن سرعة تطوّرها بسنوات ضوئية، وأن سباق الشركات على الريادة ينتج قرارات متهورة لا تحتملها البشرية جمعاء، وإن كانت فئة قليلة هي من صنعتها.
هذا هو جوهر الأزمة: أزمة حوكمة وتمثيل بقدر ما هي أزمة تقنية. فالقرارات التي قد تعيد رسم مستقبل البشرية تُصاغ إلى حد بعيد داخل دائرة لغوية وجغرافية ومهنية ضيقة، فيما تبقى الغالبية الساحقة من البشر خارج الغرفة. نحن في العالم العربي، كما في الجنوب العالمي كله، لا نملك حضورا يوازي حجم ما سيلحق بنا من آثار. ومع ذلك، سنعيش نتائج هذه القرارات كاملة، كما نعيش اليوم تبعات أزمة مناخية كان إسهامنا في صنعها محدودا، بينما كان نصيبنا من كلفتها مضاعفا.
والأخطر من غياب التمثيل أن نحمل إلى هذه التقنية الجديدة كل ما عجزنا عن تجاوزه في تاريخنا القديم: انقسامات الهوية وسياساتها، وهوس القوة، ومنطق الاصطفاف؛ شرق في مواجهة غرب، قومية في مواجهة قومية، ودين في مواجهة دين. فإذا تحول السباق نحو الذكاء الفائق إلى سباق تسلح جديد بين (نحن) و(هم)، وصيغ معنى (الأمان) و(المنفعة) من زاوية واحدة تدعي حق تعريفهما للبشرية كلها، فلن يكون أسوأ ما نخشاه آلة تنقلب على صانعها؛ قد يصبح الخطر الحقيقي بشرا ينقلب بعضهم على بعض بأقوى أداة صنعتها أيديهم.
هنا تحديدا تكمن المعضلة: التكنولوجيا قد تضخم الخطر، لكن سياسات الهوية هي التي تمنحه اتجاها. وما قد يدفعنا إلى الهاوية ليس الذكاء الاصطناعي وحده، بل عجزنا المزمن عن تجاوز منطق الانقسام في لحظة تتطلب أوسع قدر من التضامن الإنساني عرفه تاريخنا.
فما العمل إذن؟
العالم اليوم بحاجة إلى ميثاق جديد لحوكمة الذكاء الاصطناعي وعلوم استشراف المستقبل؛ ميثاق لا يولد من منطق الهيمنة واحتكار المعرفة، بل من إدراك أكثر حكمة لحقيقة بسيطة: ما سيعيد تشكيل مستقبل الإنسان لا يمكن أن يبقى ملكا لمن يملك التقنية أو رأس المال أو القوة العسكرية. نحتاج إلى إطار عالمي يقوم على المنفعة المتبادلة والمصير المشترك، وتشرف عليه هيئة أممية مستقلة فعلا، وأشدد على كلمة (مستقلة)، تستفيد من دروس البشرية، بما فيها إخفاقاتها وتأخرها، في بناء أطر دولية للسلاح النووي والمناخ. فلا دولة، مهما بلغت قوتها، ولا شركة، مهما اتسعت إمكاناتها، ينبغي أن تنفرد بتعريف ما هو (آمن) للبشرية أو ما هو (نافع) لها.
والأهم أن تتسع الطاولة نفسها. فمستقبل بهذا الحجم لا يصنعه المهندسون وأصحاب رؤوس الأموال وحدهم. نحتاج إلى علماء الأخلاق والفلاسفة والأدباء وعلماء الاجتماع والقانون والمشرعين، وإلى أصوات الثقافات والمجتمعات التي ستعيش نتائج هذه التحولات وإن لم تشارك في صناعتها. فمن يشارك في بناء عقل اصطناعي قادر على إعادة تشكيل المعرفة والعمل والخيال والقرار، يحتاج إلى حكمة العقل الإنساني كله، لا إلى براعته التقنية وحدها.
ونحتاج، أبعد من ذلك، إلى إعادة التفكير في التخيّل نفسه. فتخيّل الإنسان، وقدرة الآلة المتنامية على محاكاته وتوسيعه، لا ينبغي أن يتحولا إلى مورد تحتكره خوارزمية أقوى أو دولة أغنى أو جيش أعتى. المستقبل الذي ستسهم هذه التقنيات في إنتاجه هو، في جوهره، مستقبل مشترك؛ ومن ثم فإن القدرة على تخيله وصناعته يجب أن تحمل قدرا مماثلا من المسؤولية المشتركة.
وهنا تحديدا تبدأ مسؤوليتنا وفرصتنا في هذا الجزء من العالم. فنحن لا نأتي إلى هذه الطاولة خاليي الوفاض. وراءنا قرون من التفكير في الحكمة والتكافل والمعرفة المشتركة، وتجارب طويلة في البقاء عبر التفاوض، وإدارة التوازنات، والعيش وسط تقاطعات الحضارات والقوى والهويات. هذه الخبرة ليست ماضيا نتغنى به، هو رصيد يمكن أن يشارك في صياغة المستقبل. لذلك فإن المطالبة بمقعد على طاولة الحوكمة العالمية ليس بحثا عن حضور رمزي؛ إنها مسؤولية حضارية.
لسنا مضطرين إلى الاختيار بين تفاؤل ساذج وتشاؤم يستبق الفناء. ثمة مساحة ثالثة أكثر نضجا: أن نعترف بأننا لا نعرف بعد إلى أين يقودنا هذا الاختراع، وأن يوازي نمو قدرتنا التقنية نمو حكمتنا في إدارتها. لقد تعلّمت البشرية مرارا بعد الكارثة. والتحدي اليوم أن نتعلم قبلها؛ أن نبني قواعد مشتركة قبل أن يتحول الخلاف إلى مصير، وأن ندرك أن بقاء الحضارات لا تحسمه القوة وحدها، إنما قدرتها على معرفة متى تضبطها، ومتى تجعل التعاون والتلاقي شرطا للبقاء.
اليوم، تقف البشرية أمام مغلّف مختوم آخر، أكبر بكثير من استديو تلفزيوني.
ما نكتبه في ذلك المغلف يجب ألا يكون رقما للفناء، ولا حكما تصدره سياسات الهوية والغلبة على مستقبل لم يولد بعد. ييمكن أن يكون عقدا إنسانيا حكيما في التلاقي الإنساني.، يعيد تعريف القوة باعتبارها مسؤولية، ويعيد تعريف التقدم باعتباره أمانة، والتقنية باعتبارها مجالا مشتركا وليس ساحة جديدة لاحتكار المصير.
ولربما قد يكون أعظم إنجاز لهذا العصر أن يوازي نمو ذكاء الآلة نمو حكمتنا وسياسات التلاقي في التعامل معها.