2024 العالم في عام

يوسف منصور

بالإضافة الى أربعة تحديات قائمة كبرى تواجه العالم (التحول المناخي، وإيجاد الوظائف الجيدة، والتنمية الاقتصادية، ونظام عولمة أفضل)، شهد عام 2023 الكثير من المفاجآت كارتفاع أسعار الفائدة بشكل كبير في الولايات المتحدة ورغم توقع الكثير بحصول ركود إلا أن الاقتصاد الامريكي استمر في العمل ولم يحصل الركود المتوقع. وتأثر الاقتصاد الاوروبي والالماني بينما تعافى الاقتصاد الياباني، وانتهت فترة النمو المفرط في الصين حيث انخفض النمو (ولكنه لا يزال معدل النمو الأعلى بين الدول الصناعية)، واستمرت حرب اوكرانيا-روسيا دون انتصار باهر لاحد الطرفين، كما انتهى العام بعدوان اسرائيلي على غزة يستمر حتى الان.

أما في سنة 2024، يتبادر الى الاذهان العديد من الاسئلة حول العام الجديد سأسردها أدناه.

ماذا سيحدث لأسعار الفائدة؟ يتوقع البعض ان تنخفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة مع انخفاض التضخم وقد يبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي وتتبعه غالبية البنوك المركزية في العالم بخفض أسعار الفائدة في الربع الأول أو الثاني من هذا العام.

في الأردن، سيقلل المركزي هذا العام أسعار الفائدة تبعا للفيدرالي الأمريكي مما سينقص من كلف الإنتاج قليلا ويزيد من الاستثمار بعض الشيء ولكنه لن يقود الى معدلات نمو مرتفعة في الأردن فالسياسة المالية هي الأقدر على إخراج البلد من حالة السبات الاقتصادي القائمة منذ أكثر من عهد من الزمن.

الفارق بين رد الفعل الاقتصاد الأمريكي (معدلات بطالة منخفضة جدا ونمو اقتصادي مرتفع) والاقتصاد الأردني (بطالة مرتفعة ونمو اقتصادي منخفض) من حيث المبدأ هو أن حكومة بايدن استخدمت السياسة المالية بقوة، حيث ضخت 1.3 تريليون دولار مما أبقى على معدلات البطالة منخفضة هناك. أيضا، يتأثر الأردن حاليا سلبا من العدوان على غزة من حيث تدني تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وحتى المحلية، وانحسار الدخل من السياحة بأكثر من 80%، نتيجة لحالة عدم التيقّن ومما سيجره العدوان من تطورات واحتمالية التوسع الى دول أخرى (مع أن هذا يبدو احتمالا ضعيفا وسيظل الصراع محصورا دون تدخلات عسكرية من دول المنطقة). أيضا، سيستمر التعاطف الكبير مع الإخوة والأهل في غزة الى ديمومة وربما توسّع حركة المقاطعة، والتي ستعتمد إيجابية نتائجها أو سلبيتها من الناحية الاقتصادية على الاستراتيجيات الرسمية المتبعة كوضع وتنفيذ سياسة صناعية انتقائية وتحفيز الإحلال للمستوردات. كما ستبدأ، في حال استمرار العدوان، أسعار بعض السلع بالارتفاع في الأردن بسبب ارتفاع كلف الشحن، وهناك بوادر ارتفاع نستشفها من خلال تصريحات بعض التجار، مما يُعظم من دور الأجهزة الرقابية وخاصة مكافحة الاحتكار والمغالاة في التسعير.

هل سيؤثر رفع أسعار الفائدة في العام 2024 في الاقتصاد الامريكي ويقوده والعالم نحو الركود؟ بما أن عام 2024 هو عام الانتخابات في الولايات المتحدة فمن غير المتوقع ان يقوم الكونجرس بكبح سياسة الإنفاق رغم العجز الحالي في الموازنة والبالغ (7%)، لذا، وكما يحدث في أعوام الانتخابات الامريكية يزداد الإنفاق (سياسة مالية توسعية) مما يُعني أن الركود إن حصل واعتقد أنه لن يحصل هذا العام، ولكن إن حصل سيكون تباطؤ تدريجي وليس مفاجئ كما يعتقد البعض. أيضا، تشير الاحصائيات الى ان ترامب هو المرشح الأقوى لرئاسة أمريكا، مما سيغير بعض المعادلات في 2024 ولكن هذا سوف يؤثر بشكل أكبر على توقعات عام 2025.

هل ستستمر الصين في دعم صناعاتها وسياساتها الصناعية رغم ارتفاع مستويات الدين الحكومي والذي بلغ 83% في عام 2023؟ ارتفاع نسبة الدين يقيّد قدرة الحكومة الصينية على الاستمرار في الإبقاء على دعم نشاط اقتصادها، وخاصة من خلال التركيز على قطاعي العقارات والبنية التحتية اللذان يمثلا 30% من الناتج المحلي الصيني، فلقد تراجع الطلب على العقارات فيها، كما أن العالم شهد تراجعا في الطلب على المنتجات الصناعية. كما أن الحرب الاقتصادية الأمريكية (غير المعلنة) على الاقتصاد الصيني ستؤثر على بعض صادراتها وخاصة التقنية منها كصناعة المركبات الكهربائية مثلا. لذا ستشهد الصين بعض التراجع الاقتصادي مما سيؤثر أيضا على الطلب العالمي الكلي بشكل طفيف، حيث أن الصين لا تزال بلا شك قوة التصنيع العظمى في العالم، تشكل ما يقرب من 29% من الإنتاج الصناعي في العالم. ومعدل نموها (5.6%) لا يزال الأول بين الدول الكبرى، كما أن الصين والتي يتميز مُخططيها ببعد النظر والتخطيط طويل الأمد تتجه بقوة نحو الصناعات عالية التقنية.

هل ستستمر اليابان في الإبقاء على أسعار الفائدة قريبة من الصفر (وهو الامر الذي تمارسه منذ حوالي ربع قرن تقريبا)؟، لقد أدى تنزيل سعر العملة وانخفاض سعر صرف الين الى جعل الاقتصاد الياباني أكثر حيوية في العام الماضي، غير أن نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي قاربت (250%) مما قد يرغم الحكومة على رفع سعر الفائدة لتحسين سعر صرف الين وتخفيف عبء سداد الدين.

لقد شهدت منطقة اليورو والمملكة المتحدة نموا أقل من المحتمل يقترب من الصفر أو سلبيا خلال الأرباع القليلة الماضية مع انخفاض التضخم؟ قد يُفوت هذان الاقتصادان فرصة أداء أقوى في عام 2024 إذا استمرت العوامل التي ساهمت في ضعف النمو على ابتلاء اقتصادات المنطقتين، خاصة إن لازمها صدمة تضخمية كبيرة مثل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في غزة وتصاعده إلى حرب إقليمية واسعة وهو احتمال ضعيف كما أسردت سابقا، ولكنه لا يزال ممكنا.

ماذا عن الاقتصاديات الناشئة والنامية؟ سيختلف الأداء من دولة لأخرى وحوكمتها، فقد استفادت بعض الدول كالهند مثلاً من الحصول على النفط من روسيا بأسعار مخفضة في العام الماضي وقد تستمر في ذلك هذا العام مع بقاء الحرب والمقاطعة على روسيا. في حال ارتفاع أسعار النفط ستستفيد الدول المصدرة بشكل كبير، وتتضرر المستوردة كالأردن، ولكن من المتوقع ان يكون الارتفاع في أسعار الأساسيات طفيفا ولفترة قصيرة، ثم يعود للانحسار.

ختاما، يجب على المرء أن يتعامل مع أي توقعات عام 2024 بتواضع شديد، فإذا أردت أن تتنبأ، تنبأ كثيرا…