لإعلام العربي والأردني في مواجهة التحديات: بين صناعة الرأي العام والبحث عن الهوية.

سيف الدين أبوخضير

في رحلة البحث عن هوية ودور الإعلام في العالم العربي، وتحديدًا في الأردن، نجد أنفسنا أمام مشهد معقد يعكس التجاذبات الثقافية والسياسية لهذه المنطقة. الإعلام، بأشكاله المتعددة، ليس مجرد نافذة نطل من خلالها على العالم، بل هو مرآة تعكس واقعنا الاجتماعي والسياسي، وفي الوقت نفسه، منصة تؤثر وتشكل هذا الواقع.

عندما نتحدث عن الإعلام العربي، نجد أنه يتخذ أشكالاً متعددة، تتراوح بين النقل الصرف للأخبار وبين لعب دور نشط في صناعة الأحداث وتوجيه الرأي العام. هذا الطيف الواسع من الأدوار يعكس الثراء والتنوع الفكري الذي تتمتع به المجتمعات العربية، وفي نفس الوقت يشير إلى التحديات التي تواجهها في مسارها نحو الحرية والتقدم.

في الأردن، يتبلور مشهد إعلامي فريد يمزج بين الخصائص العامة للإعلام العربي وبين مميزات خاصة تعكس السياق الاجتماعي والسياسي الأردني. يتميز الإعلام الأردني بقدرته على تغطية القضايا المحلية بعمق وموضوعية، محافظًا على مستوى من الاستقلالية والحيادية. ومع ذلك، لا يخلو من تحديات تتعلق بالضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تؤثر على محتواه وتوجهاته.

النظر في مراكز صناعة الرأي العام في العالم العربي والأردن يفتح الباب أمام تحليلات معقدة. المؤسسات الإعلامية، الصحفيون، وحتى الشخصيات العامة والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، كلهم يشكلون جزءًا من هذا النسيج المتداخل الذي يصنع الرأي العام. يمكن لتصريح واحد، لمقالة مؤثرة، أو حتى لتغريدة عابرة، أن تحدث تغييرًا في تصورات الجمهور وتؤثر على مسار الحوار العام. في هذا السياق، لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار، بل يتعداه إلى كونه فاعلًا أساسيًا في تشكيل الوعي الجماعي.

عند تحليل العلاقة بين المتلقي ووسائل الإعلام، نجد أنفسنا أمام ديناميكية معقدة. هل يختار المتلقون الوسائل التي تتوافق مع أفكارهم ومعتقداتهم، أم أن وسائل الإعلام تعمل على جذب واستهداف جمهور معين وتشكيل توجهاته؟ في الأردن، كما في بقية العالم العربي، يبدو أن هذه العلاقة تتسم بالتبادلية. من جهة، يميل المتلقون إلى انتقاء الوسائل التي تعزز وجهات نظرهم وتعكس توجهاتهم الثقافية والسياسية، ومن جهة أخرى، تسعى وسائل الإعلام إلى جذب جماهيرها والحفاظ عليها من خلال تقديم محتوى يتوافق مع ميولها واهتماماتها.

في هذا الإطار، يبرز تساؤل فلسفي عميق حول طبيعة الإعلام ودوره في المجتمع. هل يجب أن يكون الإعلام مرآة تعكس الواقع بموضوعية، أم منبرًا يشكل ويؤثر في هذا الواقع؟ الإجابة على هذا السؤال ليست بسيطة، فهي تتطلب تقييمًا عميقًا للقيم والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع والدولة.

في ختام هذه الرحلة الفكرية والتحليلية حول الإعلام في العالم العربي والأردن، نصل إلى استنتاج مفاده أن الإعلام يمر بمرحلة تحول وتطور مستمر. من ناحية، هناك جهود للحفاظ على المهنية والموضوعية، ومن ناحية أخرى، تواجه الوسائل الإعلامية تحديات تتعلق بالتأثير في الرأي العام ومواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية. المتلقي، بدوره، يشارك في هذا المشهد كفاعل رئيسي يحدد مسار الإعلام ومستقبله. يظل السؤال مفتوحًا حول كيفية تطور هذا المشهد في المستقبل، في ظل التغيرات السياسية والثقافية الراهنة.

من الجدير بالذكر أن الإعلام في العالم العربي والأردن لا يعمل في فراغ. إنه يتأثر بشكل كبير بالسياق الدولي والتحولات العالمية في مجال الإعلام والتكنولوجيا. الثورة الرقمية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي قد غيرت بشكل جذري طريقة تفاعلنا مع الأخبار والمعلومات. هذه التطورات تقدم فرصًا جديدة لتحقيق الشفافية وتعزيز حرية التعبير، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات متعلقة بالأخبار المزيفة والدعاية.

الإعلام الأردني، كجزء من النسيج الإعلامي العربي، يواجه هذه التحديات بطرق متنوعة. تحرص العديد من وسائل الإعلام على تبني معايير صارمة للتحقق من المعلومات وتقديم تحليلات معمقة للأحداث الجارية، بينما تتجه أخرى نحو تبني أساليب أكثر تفاعلية ومباشرة لجذب الجمهور، خاصة الشباب. هذا التنوع يعكس التوازن الدقيق بين الحفاظ على المصداقية والتكيف مع متطلبات العصر الجديد.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأساسي: ما هو دور الإعلام في الأردن والعالم العربي؟ هل يجب أن يكون صوتًا للسلطة أم صوتًا للشعب؟ هل يجب أن يعكس الإعلام الواقع كما هو أم أن يسعى لتغييره؟ هذه التساؤلات لا تجد إجابات قاطعة، بل تتطلب نقاشًا مستمرًا يشمل جميع الأطراف المعنية: الصحفيين، صناع السياسة، الأكاديميين، والجمهور نفسه.

في النهاية، يمكن القول إن الإعلام في العالم العربي والأردن يقف على عتبة مرحلة جديدة. مرحلة تتطلب توازنًا بين الحفاظ على التقاليد واستكشاف آفاق جديدة. مرحلة تحمل في طياتها إمكانية تحول الإعلام من مجرد أداة لنقل الأخبار إلى قوة فاعلة تساهم في تشكيل المستقبل. الطريق أمام الإعلام العربي والأردني مليء بالتحديات، لكنه أيضًا مفعم بالفرص. يتطلب التنقل في هذا الطريق فهمًا عميقًا للمسؤوليات الأخلاقية والمهنية التي يحملها الإعلام، وكذلك الشجاعة لمواجهة التحديات واستغلال الفرص.

من المهم أن ندرك أن الإعلام ليس مجرد نافذة على العالم، بل هو أداة فعالة للتغيير والتأثير. يمكن للإعلام أن يلعب دورًا حاسمًا في تعزيز الديمقراطية، في تشجيع المشاركة المدنية، وفي تحقيق التوازن بين مختلف الأصوات والآراء في المجتمع. ولكن، لتحقيق هذه الأهداف، يجب على الإعلام أن يتمتع بالاستقلالية، وأن يكون محميًا من الضغوط السياسية والاقتصادية.

بالنسبة للمتلقي، يتجلى دوره في كونه ليس مجرد مستقبل سلبي للمعلومات، بل فاعل نشط في عملية الاتصال الإعلامي. يملك المتلقي القدرة على تحليل وتقييم المحتوى الإعلامي، وله الحق في المطالبة بإعلام مسؤول وموثوق. في عصر المعلوماتية، أصبحت الحاجة ماسة لتطوير وعي نقدي يمكن المتلقي من التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة.

في ختام هذا النقاش، يظل الإعلام العربي والأردني أمام تحديات كبرى، لكن أيضًا أمام إمكانيات هائلة. الطريق إلى إعلام يسهم بفعالية في تطوير المجتمع وتعزيز الديمقراطية ليس سهلاً، لكنه ضروري لتحقيق مستقبل أفضل. يتطلب هذا الطريق جهودًا مشتركة من جميع الأطراف المعنية – الصحفيين، المؤسسات الإعلامية، السياسيين، الأكاديميين، والمجتمع بأكمله. فقط من خلال العمل المشترك والالتزام بالمبادئ الأخلاقية والمهنية يمكن للإعلام أن يحقق إمكاناته الكاملة كقوة للخير والتغيير في العالم العربي والأردن.