​الضحك في كلّ الأحوال

د. حسّان يحيى*

الضحك عنوان للسعادة ويُعدّ من أساسيّات الحياة. هو تعبير طبيعي يظهر على الملأ في صورة مَرِحة ومُفرِحة، ويتمثّل على شاكلة سلسلة من الزفير المُتواتِر الذي يُخرِج الهواء من الفم من دون استعادة النَّفَس. يرتبط ذلك بتقلّصاتٍ لعضلات الوجه، وأصواتٍ غير مُنتظَمة، صادرة عن الحَناجر، تكون حادّة ومُرتفعة لدى النساء وغليظة لدى الرجال.

عندما يضحك الإنسان تتحرّك 17 عضلة في الوجه و80 عضلة في الجسم بطريقة لا إراديّة ومتكرّرة. ويكون ذلك بمثابة رياضة طبيعيّة ومجّانية للعضلات، تُفضي إلى تبدّلات في شكل الوجه أحصاها الباحثون بـ 187 شكلاً.

يبدأ الطفل الرضيع في الابتسام. ويتكسّب مهارات فيه بعد بلوغ أربعة أشهر من العمر. والابتسامة أوّل وسيلة تعاطٍ مع الآخرين. ونتعلّم مع الوقت تمييز الابتسامات لمُلاطَفة الآخرين، للتشجيع، للسخرية أو للإغراء.

وقيل في الضّحك

إنّه ‘ينشأ نتيجة التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدّمه هذا المفهوم’ (هيغل). وهو’ ظاهرة، وظيفتها إطلاق الطّاقة النفسيّة’ (فرويد). وقد يكون ‘شيطانيّاً’ كما وصفه شارل بودلير. هذا ووَرَدت مادّة الضحك في القرآن الكريم 10 مرّات مزَجت المُفارَقة بالبلاغة والمُقابَلة بالطِّباق. وعن رسول الإسلام (صلعم) الذي كان كثير الابتسام: ‘ تبسّمك في وجه أخيك.. صدقة’؛ و’روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإنّ القلوب إذا كلّت عميت’. أمّا جبران خليل جبران فقد قال:’ لا تستطيع أن تضحك وتكون قاسياً في وقتٍ واحد’. وعن مجهولٍ حكيم، علّق على حال العلاقات الاجتماعيّة وما يُصاحبها من توتّرات عصبيّة بالقول: ‘ إنّ الحياة بغَير ضحك عبء ثقيل. فهو سلاح ودواء رخيص غاسل للأحزان. وحاجتنا إليه اليوم في أقصاها’. وقد أوضَحت الأبحاث أنّ ‘ على المرء أن يكون مُضحِكاً كي تفضّله النساء’.

الابتسام أوّل مَراتِب الضحك. ولكلّ شخص طريقته وبصمته الضّاحكة التي تكشف شخصيّته. هذا يضحك وهو يغلقُ فمه وجسمه يهتزّ؛ وذاك يضحك بصوتٍ مُرتفعٍ مُطلقاً قهقهات والضوضاء من حوله؛ وهناك مَن يُضحِكك وهو يميل برأسه على كتفه أو يرمي برأسه إلى الوراء. وتبقى لغة الضحك موحّدة بين البشر جميعاً.

يُداهمنا الضحك عندما يتعرّض المرء لمَوقفٍ هزليّ، ويأتينا كردّ فعل، نتيجة خبر أو سماع نكتة أو عند مُداعَبة جسديّة. وما أن يُثار الضحك حتّى تنتشر موجته بسرعة، لأنّه عاطفة اجتماعيّة تقرّبنا من بعضنا البعض، بغضّ النَّظر عمّا إذا كان الشيء مُضحكاً فعلاً. والإضحاك يتطلّب سرعة البديهة من صاحب الهزل والمتلقّي معاً. ولا يستجيب الناس جميعهم للنوادر بالدرجة نفسها، فلكلّ نَوعٍ من النكات جمهورها. بعض الأشخاص لا تُضحكهم إلّا النكات الماجِنة والبذيئة، بينما الآخرون لا تضحكهم إلّا النكات الذكيّة ويرفضون ما عداها. وتشكّل روح الدعابة أنجع الطُّرق للتقرّب من الناس وللتعارف وإقامة العلاقات. وأنتَ عندما تضحك مع الناس، فإنّك تُظهِر لهم الحُبّ والصداقة.

وتُقَدم لنا الثقافة الشعبيّة أنواعاً من التعبير الفنّي الهزلي بعضها أساسه الحكي والرواية وبعضها الآخر يعتمد التعبيرات الجسديّة. وهناك نماذج اجتماعيّة مُضحِكة فيها المجنون والأحمق والمُتحامِق والمُهرِّج. ونَجد في التراث العربي فَيضاً من القصص الطريفة والنوادر. نذكر منها ما وَرَد في كِتاب ‘الأغاني’ لأبي فرج الأصفهاني وكِتابات الأدب الساخر، ومنها الجاحظ في نوادر البخلاء ونوادر جحا. وكذا في الشعر والنثر والكاريكاتير الساخر والمقالات المَرِحة، ولا ننسى طُرْف الحكايات ومُلَح الأخبار التي تملأ سهرات السمر.

عدوى الضحك

يكشف المَسح الضوئي لتفاعل الدماغ مع الضحك، تأثّر المناطق الدماغيّة المسؤولة عن تقليد سلوك الآخرين. قد يكون ذلك التقليد العصبي هو ما يجعل الضحك مُعدياً. أي أنّ ضحك شخص معيّن يُحفِّز على ضحك الآخرين. وأشار باحثون إلى أنّنا نضحك ما نسبته ثلاثين مرّة أكثر عندما نتشارَك الضحك مع شخص آخر. ويلعب الممثّل الهزلي والمُهرّج بنجاح على هذا الوَتَر.

وعندما يكون عدد الناس كبيراً، تنتشر مَوجات الضحك المُعدية بسهولة، وخصوصاً في الأماكن الفسيحة والكبيرة. وتصير أصوات القهقهة وتنويعاتها مُضحِكة بحدّ ذاتها. قد يحفِّز استنشاق الغاز أو بعض المواد الكيميائيّة مثل البروتوكسيد الآزوت على إطلاق نوبات من الضحك الهستيري التي قد تنشأ أيضاً بعد شرب الكحول أو تعاطي الحشيش. وتؤدّي حالة الضحك الهستيري إلى إطلاق الدموع وإلى بعض الآلام البسيطة في العضلات.

من الناحية الفيزيولوجيّة، يعتمد الضحك على مَسارات عصبيّة متّصلة بالدماغ المتوسّط والخلفي. وتكشف أبحاث حديثة ارتباط الضحك بتنشيط القشرة الأماميّة الوسطى للدماغ. خلال الضحك الذي يأخذ وقته، يكون التنفّس أكثر عمقاً، فيستنشق الشخص نسبة عالية من الأوكسجين وتتوسّع الشعَب الهوائيّة، فيما تجري عمليّة التغيّرات الكيماويّة داخل الخلايا على خير ما يرام وتنشط الدورة الدمويّة. كما وتنخفض مستويات هرمونات التوتّر مثل الكورتيزول والأدرينالين. وتتضافر شروط إفراز هرمون السيروتونين المُرتبط بالشعور بالسعادة، وهرمون الميلاتونين الذي يُحسِّن نَوعيّة النوم ويُفيد في عِلاج الأرق. ومن اللّافت أنّ القَهْقَهة تُساعِد على زيادة الإندورفين الذي يعمل بنحو أفضل من المورفين على تخفيف الألم.

فوائد الضحك كثيرة جدّاً، نوجزها بأنّه يجدِّد طاقة الجسم ويقوّي عضلاته كما يَمنح السعادة والسلام النفسي. وبات شائعاً استعمال الضحك كوسيلة علاج. وإليكم بعض الأمثلة: توصّل العلماء إلى أنّ الضحك مائة مرّة يساوى في تأثيره ما يُبذَل في مُمارَسة الرياضة على العجلة لمدّة 15 دقيقة، وإلى أنّ الضحك المُتواصل لمدّة لا تقلّ عن 15 دقيقة تحرق 50 من السعرات الحراريّة، ما قد يُساعد وبشكل طبيعي على تخسيس الوزن.

ويعمل الضحك كمسكّن طبيعي للألم، وقد ثبت ذلك في دراسة أجريت في جامعة أكسفورد، وتفيد بأنّ الأشخاص الضَحوكين لديهم القدرة على تحمّل المزيد من الألم بنسبة 10 % مُقارنةً بباقي الأشخاص الذين لا يضحكون كثيراً.

ويقوّي الضحك جِهاز المناعة في جسم الإنسان، وينشِّط الغدد اللّيمفاويّة التي تُهاجم الخلايا السرطانيّة، فضلاً عن بروتين غاما- أنترفيرون المضادّ للفيروسات.

ويعمل الضحك على تشغيل الحِجاب الحاجز وهو بالتالي وسيلة سهلة غير مُكلفة وغير مؤلِمة، تُساعد على شدّ عضلات البطن وتجنّب ترهّلها.

ونشير إلى أنّ ملك الضحك ‘ بيلاشوا غيرما’، صاحب أطول ضحكة في العالَم، دَخَل موسوعة غينيس، بعد أن استغرق في الضحك مدّة 3 ساعات و6 دقائق من دون توقّف. وهو كان قد أنشأ مدرسة لتعليم التلامذة الضحك في العاصمة الأثيوبيّة، وذلك بهدف تهْدئة الأعصاب والعلاج النفسي للأطفال. ويشكّل الضحك أفضل وسيلة لمُقاوَمة التوتّر العصبي ولمُطارَدة الأفكار السوداء. ويَعرف المُصابون تأثيراته النّافعة، لأنّه يخلق حالة إيجابيّة للعقل تجاه الحياة، ويُقلِّل من فرصة الرضوخ لمَشاعِر الاكتئاب واليأس، ويعطي الشخص الثقة بالنَّفس ويُخرجه من دائرة التحفّظ، وينمّي قدراته على التحدّث وعلى روح المُشارَكة الجماعيّة، ويساعِد على زيادة اليقظة وتنشيط الذاكرة، فضلاً عن أنّه يجعل المرء يبدو أكثر وسامة…

في مَراكِز العلاج المتخصِّصة، بات شائعاً اللّجوء إلى استقدام مهرِّجين للتسلية والترويح عن النَّفس. وتُستخدَم بَرامج الترفيه والأفلام والروايات التي تشجِّع على ضحك المريض. وجَرت تجارب تتمثَّل في أن يقوم الطبيب بإعداد ‘ملفّ محفّزات الضحك’ لمريضه، وذلك بجمْع المعلومات التي تحفِّزه على الضحك، من مَواقف ونكات يفضّلها.

وهناك أسلوب علاجي يعتمد على التأمّل. وهو عبارة عن تمرين يستمرّ لحوالى 15 دقيقة، ويتكوّن من ثلاث مراحل. الأولى هي مرحلة الإطالة، حيث يقوم الشخص بإطالة كلّ عضلة من عضلات جسده من دون ضحك. والمرحلة الثانية، يبدأ الشخص بالابتسام حتّى يصل تدريجيّاً إلى الضحك العميق الذي يصل الى هزْهَزَة المَعدة. وتكون المرحلة الثالثة أو مرحلة التأمّل، حيث يتوقّف عن الضحك ويُغلق عينيه ويأخذ في التَّنفس من دون صوت مع تركيز شديد. وهذا الأسلوب مستوحى من اليوغا التقليديّة. وهو يقوم على’ يوغا الضحك’ من خلال تمارين تستمرّ لمدّة 30 إلى 45 دقيقة، متضمِّناً تنويع التنفّس والإطالة مع مُمارَسة الضحك.

باختصار الضحك هو سلاح ودواء، وذلك لمُعالَجة ما نعيش من توتّرات عصبيّة. وباعتقادي أنّ الحياة بغَير ضحك عبء ثقيل فهو غاسلٌ للأحزان، وحاجتنا إليه اليوم، في أقصاها.

*كاتب من لبنان