غيابك طال
الدكتور ناصر نايف البزور
مِن أكثر المواضيع التي قد نجدها في الشعر العربي والغناء العربي القديم والحديث هو “طول الغياب” .. 🙂 فلو تصفّحنا مخرّكات البحث لوجدنا مئات المقاطع التي تُكرّر عبارات وعناوين مثل “غيابك طال”؛ أو “طال غيابك”؛ أو “ياللي غيابك طال”؛ أو “طوّلت الغيبة”؛ يا مطوّل الغيبة”… 🙁
ويبدو أنّ قضية عشق التغيّب والغياب باتت إحدى مكوّنات ثقافتنا العربية؛ فالكثير من الطلبة الجامعيين قبل تسجيلهم لأيّ مقرّر يسألون زملاءهم وأصدقاءهم : “الدكتور فلان بيوخذ غياب”؟ فإن كان الجواب “لا” رأينا عشرات الطلبة يتهافتون للتسجيل عند ذلك الأستاذ؛ أمّا العلم والمعرفة فهي آخر الأمور التي يحرص الكثير من الطلبة على السؤال عنها… 🙁
وإذا ما ابتلى الله الطالب بدكتور يُدقّق كثيراً على قضية الحضور والغياب، فنجد أنّ الطالب سيبحث عن جميع أنواع الأعذار لتبرير غيابه المتكرّر عن محاضراته: دكتور أمّي كانت مريضة…دكتور أبوي دخل المستشفى…دكتور الباص بنشر عالطريق… دكتور بنت خالتي ماتت…دكتور تيتة خالة أخت بنت عمّة أمّي تزوّجت… 🙁 وقائمة الأعذار لا تنتهي…
ما يُحزننا هو انتقال عدوى الغياب إلى جلسات مجلس النواب إلى حدٍّ يفوق ضوابط المعقول؛ فبحسب “مركز راصد” فقد تغيّب الكثير من أصحاب السعادة عن العديد من جلسات مجلسنا الكريم حتّى بلغ عدد الغيابات حبيبنا الدكتور محمّد نوح القضاة 32 غياباً من أصل 38 جلسة؛ أي أنّ نسبة الغياب عند معاليه بلغت 84%؛ وسواءً كان لدى سعادته عذر أم لا فهذا أمر بحاجة إلى المتابعة والمحاسبة من قِبَل رئاسة المجلس… 🙂
وبما أنّ سعادته ومعاليه كان أستاذاً جامعياً في جامعة آل البيت فهو يعلم علم اليقين أنّ التعليمات تسمح للطالب بنسبة غياب بعذر شريطة أن لا تزيد عن 12.5% فكيف إذا بلغت 84%… 🙂 أنا شخصياً أعمل في الجامعات منذ 21 عاماً وقد تغيّبت عن جلسات مجلس القسم مرّتين فقط طوال تلك الفترة؛ وكان غيابي لظروف صحيّة قاهرة… 🙁
يا سادة نحن،أساتذة الجامعات، قدوة ونبراس للأجيال؛ فإن سمحنا لأنفسنا باستمراء التغيّب عن أداء واجبنا في أيّ موقع أكاديميّ أو اجتماعيّ أو سياسيٍ أو تشريعي فقد هدمنا بنيان منظومة القِيَم اهذه الأجيال وساعدنا على ضياع الأمانة التي طالما تحدّث عنها معالي الدكتور محمد نوح حين قال بأعلى صوته تحت قبّة المجلس: “أقسِمُ بالله إنّ الأردنَّ لا يشكو قلَّة المال، ولكنَّه يشكو أمانة الرجال” 🙂 فهلاّ حَملنا هذه الأمانة ورعيناها حقَّ رعايتها؛ أو تركناها لغيرنا ليحملها… 🙁
ولعُشّاق الغياب مِن أصحاب السعادة وأصحاب الهيبة الأحباب نهدي أغنية المطربة اللبنانية هيام يونس الشهيرة والتي قامت أيضاً بأدائها إحدى الفِرق الغربية بطريقة رائعة على مدرّجات مهرجان جرش: “سافر يا حبيبي وارجع لا تطول بالله الغيبة … والدَّار بعدك أظلم والله أعطاك الهيبة”  🙂 والله أعلمُ وأحكم…

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ