الفجيرة…مبسم العروبة والصحراء

د. عبدالله الزعبي.

هناك، عند منبع الشمس ومسيرتها صوب الأبد، من فجر يزف للدنيا بشرى ضياء، في قلب المكان وجوف الأزل، عند مشارق السيف في أقصى جنوب الأصل والخير، هناك ثغر لوطن عريض يستلقي بين المضائق والنوافذ، يمتد كبرياءه من طارق لهرمز عبر السويس والمندب، من الجبل إلى القناة والباب. تأخذك الجغرافيا إلى ذاك الثغر والخرطوم وتلك الأنفة، هنالك في أقصى الجنوب والمشرق، على حافة الخريطة حيث ناصية العرب وبحرهم، إلى الفجيرة أم الينابيع والقلعة والبأساء، أناس بطيب الصحراء ونقاء موج إذ يمتطي صهوة الرمال، وكثبان تسحر المساء إذ تعانق السماء في أفق المغيب. هناك في اطراف العروبة تجد العلياء زرقاء صافية تبعث في الكون نقاءً وسلاماً، حيث قيض الرمضاء يتساقط على الأجساد إذ تتصبب عرقاً، وأنفاس تصارع الشهيق والزفير كأنما صخرة بلال ترقد على صدر البطحاء وضلوع الفلاة. هناك عند مبسم العروبة حكاية سبقت التاريخ والنفط ودعة الرفاه، تصالحت مع المعاناة والصبر وشحوب الجبال، حكاية ترويها تلك اللهجة الحزينة إذ تختبيء في أنغامها أنات شجية، ترويها سمرة في وجوه تزينت بقسمات قحطان.

تتصالح النفس مع الفجيرة لحظة فاتحة البِشر ومطلع اللقاء، منذ باكورة المصافحة الأولى مع صفاء الفطرة ونقاء السريرة والبادية وأناقة الحكمة والحياء، مع ذكرى أودعتها كنزاً في طيات القرون، مع البحر ورجاله، مع مالك بن فهم وأحفاده الشرقيين، مع فينيق والجلال وشرف الزمان. تبعث الفجيرة في الذات معالم السكينة والرضا وتفك معصمها من ضجيج الزحمة والنزق وتبرج المدنية الخادع. يأسر السحر في زاوية العروبة القصوى خوالج الفؤاد وقوافي القصيد، يبث فيها دعوة التصالح مع النفس والذات، مع الناس والعمر وعاديات القدر. هنا في الفجيرة تعثر على ترياق رجاء وتضرع ومعراج إلى فضاء صوفي يفيح تفكراً وتأملاً في اسرار الكون وحراء، تجد انعتاقاً من مواسم الزيف والمكائد والتنافس على الضياع، هنا تلتقي أيادي بيضاء تطوعت للخير واخياراً نُذرت للإحسان والجود دونما رياء، أياد تسدي المعروف وتبذل العطاء، تواسي الحاجة وتسد رمقها، تعين على الغرية والنواء. هنا، تسرد الفجيرة رواية المدينة التي تنشأ من رحم البداوة والبحر وبياض اللؤلؤ، تمتزج فيه نواجذ المكان مع اعماق العروبة والروح وأقاصي الحلم والحيرة، حيث لهيب الشوق إلى الطهارة، تغسل أدرانها والدنس والرجس فيها. هنا في الفجيرة، تعثر على أثر الجميل ومسحة لعبوس الوجوه، تجد فيها الحياة ومبسماً للعروبة والصحراء.

 

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ