Print this page
Tuesday, 14 November 2017 15:43

عيدية أبي

كتب بواسطة : 
Rate this item
(0 votes)

د. عبدالله الزعبي.

زهاء خمسون عاماً ويزيد كان فيها أبي يتحرق شوقاً ليوم العيد، كل عيد، يهِبُ من نومه ليشهد اشعة الفجر تنساب على اهداب الكون، تشدو لحناً يفيض سروراً بالوجود، كان يتربص بالهلال والرؤية، ينصت للمآذن تصدح بالتكبير والتهليل ودعاء المصلين. كانت روح ابي معلقة بالفرحة والبهجة التي اختطفها اليتم اللئيم، يبحث عن الطفولة التائهة في أحضان الأمهات، تهفو مهجته لحنان والديه إذ لا أم تظله ولا أب يأويه، سوى أخ طاهر في كنف وكف طيبه ترعرع وربى. عانى أبي المنفى في اليتم ولوعة الغياب، انتظر النهاية طويلاً وهو يمتطي صهيل الوحدة والغربة والشوق المحرم على الطفولة. كل يوم كان أبي يجمع شظايا روحه وأطلاله المهشمة، يحلق في فضاء الأمل والأحلام العذبة، يبحث عمن يربت على كتفيه، يمسح على رأسه أو يبتسم في عينيه، يبحث عن أبويه. عانى أبي طويلاً من ألم النأي وكابد لحظة فقد الوالدين، مذ كان له من العمر عامين. انعكس انكسار القلب على قسمات الوجه الوسيم، كأنما ريشة رسام تسرد حكاية ذاكرة لم تدركها الهزيمة، تروي قصة عشق للحياة تلمحها في بارقة عينيه. كأن الطفل فيه فسيلة غرست في أرض طيبة فنمت ثمراً وزهراً جنياً، كأنما أودع الخالق فيه فيلسوفاً حكيماً، صبياً عبقرياً. احياناً تلمس أن يُتم أبي يستحيل سعادة عندما يستذكر يتم الرسول. كان أبي حقاً من أبناء السلام، يستظل في عنايه الآلة وتحرسه عين الملائكة في السماء. 
عندما امتلك الشباب وبلغ زهرة العمر، عندما تنفس الحياة وعزف على قيثارة الروح، شرع أبي يمسح دموع اليتم والطفولة ويلملم حطام الأيام، يقطف ثمار الألم ويحصد مائه المسكوب. أنشأ أبي يطلب الفردوس، يسطر رسائل الحكمة، يغرد قلبه منتشياً، يستفيض قصيده وتنثال قوافيه. كان أبي يبني جسور الود والطيب عند الإخوة واللحّ وأبناء العمومة والعشيرة والناس اجمعين، يربت على كتف المحبة في الأهل ويتوسل أجر المودة في القربى. بدأ أبي يبذر المحبة في عقبه وذريته، يجني محصول الألفة عند الجار، عند الصديق والرفيق. كان وجهه يتهلل طيباً صباح العيد، كأنما فارس يمتطي صهوة الجود، يلوح بسيف الكرم والبذل والسخاء، إذ كان يحول البيت إلى ساحة معركة هو قائدها وجنديها وشهيدها، كان يرى نصره المظفر في صلة رحمه، في الإحسان لذي القربى، في بنات الإخوة، في "العنايا"، في حلوى العيد. خمسون عاماً ويزيد، لم يفتر فيها أو يكل أو يحيد، خمسون عاماً ويزيد، قاوم غطرستي فيها وشحي وهشم تكبري الزائف. خمسون عاماً ويزيد، علمني فيها آيات في سفر العشق، في المحبة والكرم والطيب، أراني فيها قصر قامتي وجهلي وقسوة قلبي، أرشدني فيها إلى ذاتي، كان أبي أروع كتاب قرأته في حياتي، كان أبي عيدي، حلوتي وحياتي.

 

تمت قراءة هذا المقال 1004 مرات اخر تعديل للمقال Wednesday, 15 November 2017 08:42
الرمثا نت

المزيد من مقالات : الرمثا نت