واجب الإعتذار للرمثا.. الدكتور عبد الله الزعبي

كشفت الاحتجاجات التي شهدتها مدينة الرمثا عن الأنفس المريضة التي ركبت الموجة وحاولت أن تخرج أبناءها من الملة أحياناً، وتزاود على وطنيتهم وإنتماءهم إلى عروبتهم وأردنهم أحياناً أخرى. الإحتجاج كان مطلبياً بحتاً، كما يعلم الجميع، ويخص فئة محددة من أبناء الرمثا؛ وهم التجار الصغار الذين ينقلون البضائع من سوريا إلى الأردن منذ عشرات السنين، ويطلق عليهم مجازاً لقب “البحارة”. ونظراً لعدالة المطالب، فقد وقف أهل المدينة كافة مع أبناءهم، بل وجدوا ذلك واجباً ووعداً يجب الوفاء به إتجاه شريحة واسعة من الشباب العاطل عن العمل، وكثير منهم يحمل الشهادات الجامعية، وبعظهم يحمل الدكتوراة، علماً بأن البحارة لا تقتصر على أهل الرمثا بل تشمل المدن والقرى الأردنية في الشمال وتمتد حتى الزرقاء وعمان.
لعب البحارة دوراً أساسياً في انتعاش مدينة الرمثا وقراها، قبل الحرب التي شنتها الصهيونية العالمية على سوريا عام 2012، فإزدهر ما سمي “السوق السوري” لبيع المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية وألعاب الأطفال، وأصبح جاذباً للمتسوقين من جميع أنحاء المملكة، وانتشرت المحال التجارية التي أستوعبت عدداً كبيراً من العاملين، مما خفف حجم البطالة التي تجثم على صدر الشباب وتنزع المستقبل من حياتهم. لقد ساهم البحارة إذاً بتخفيف العبيء عن المدينة التي خسرت دورها الحيوي كمركز للحدود مع سوريا بعد نقله إلى جابر عام 1994، ولولاهم لأصبحت الرمثا مدينة أشباح بسبب فقدانها لموقعها الاستراتيجي وعدم قدرتها على استعادة دورها الطبيعي في الزراعة نتيجة إنحسار الرقعة الزراعية وتمدد العمران.
صبرت الرمثا ثماني سنين عجاف في أثناء حرب الشؤم على الحبيبة سوريا؛ إذ سُدت جميع المنافذ إليها وتوقف عمل البحارة ومعها انهار السوق السوري، إضافة إلى توقف اسطول النقل وأعمال التخليص على البضائع في جمرك جابر، هاتان المهنتان اللتان يعتمد عليهما أهل المدينة بشكل كبير. ناهيك عن عدم استفادة أهل اللواء من المشاريع التنموية الهامة من مثل مدينة الحسن الصناعية وجامعة العلوم والتكنولوجيا ومياه سد الوحدة مع سوريا. وزادت الطينة بلة عندما لجأ أهلنا في سوريا إلى الأردن، واستقبلت الرمثا منهم الكثير حتى تضاعف عدد سكانها واصبحت أقرب إلى العشوائية منها إلى المدينة المنظمة، رغم جهود بلدية الرمثا الهائلة في المحافظة على الخدمات العامة، وأعتبرتها الحكومة مدينة منكوبة ومن الجيوب الأشد فقراً في الأردن.
أما المسكوت عنه الأهم فيكمن في عدم ملاحظة أي أثر للمساعدات “الإنسانية” العالمية للحكومة وانعكاسها على مشاريع البنية التحتية والخدمات والإنتاج، فبقيت المستشفى محدودة الموارد والطاقات وضاقت الشوارع وارتفعت البطالة وانتشر الفقر، وغابت الرمثا ولواءها عن رادار الدولة، لدرجة أن الحكومة والديوان الملكي لم ينفذا أوامر الملك، في أثناء زيارته الأخيرة للرمثا في عيد ميلاده بداية العام الحالي، في مسألة تشغيل العاطلين عن العمل.
انفرج الوضع على البحارة قبل عدة اشهر عند إعادة فتح حدود جابر، وبدأ الشباب بالعمل والتجارة وشهدت المنطقة، ومنها الرمثا، بوادر الإزدهار مرة أخرى. رافق ذلك بعض الفوضى نتيجة إندفاع الآلاف من العاطلين للعمل في البحارة، ومنهم القليل ممن استغل الوضع الجديد، وعجز الكوادر الإدارية عن استيعابه، فبدأت بإصدار تعليمات صارمة تحد من حركة البحارة حتى أن بعضهم كان ينتظر دوره في التفتيش اسبوعاً كاملاً، ثم تطورت الأمور حتى منع حوالي 1000 منهم من عبور الحدود. حاول البحارة التحاور مع السلطات المعنية عبر نواب اللواء لكن تلك الجهود باءت بالفشل، فلجأوا إلى الإعتصام أمام متصرفية الرمثا عدة ايام حتى جوبهوا بقوات الدرك، فنشبت الإحتجاجات.
إن ما حدث يستوجب تشكيل لجنة محايدة من الحكومة والخبراء وممثلين عن المجتمع المحلي والبحارة أنفسهم لأستقصاء حقيقة ما حدث وأسبابه ونتائجه وعدم تركه لحلول مؤقتة لا تعالج المشكلة من جذورها، وبغير ذلك ستعود الإحتجاجات سريعاً مرة أخرى وبشدة أكبر ولن يستطيع أحد إيقافها. لجان استقصاء الحقائق تمثل عموداً أساسياً من الممارسات الديمقراطية الراسخة في النظم السياسية العريقة، وتمثل توصياتها حلولاً يجب على الحكومة تنفيذها، وذلك أقل ما يمكن أن تقوم به لإنصاف مدينة الرمثا ولواءها وكل العاملين بتلك المهنة.
إن الرمثا مدينة أردنية أصيلة ساهمت في بناء الدولة الأردنية الحديثة، فأعفتها من عبيء أبناءها الذين جابوا أصقاع الأرض منذ خمسينات القرن الماضي، ومارسوا الزراعة والاعمال الحرة والنقل والتجارة وتخليص البضائع، ونهلوا من العلم؛ فشكلوا جزءً أساسياً من الطبقة الوسطى والمجتمع المدني. ومع ذلك، فقلما انخرط الرماثنة في وظائف الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، وغيبوا عن مراكز القيادة وصنع القرار في الدولة، والحديث يطول.
وختاماً، على الأنفس المريضة أن تعتذر للرمثا، وطناً وتاريخاً وشباباً وبحارة، عليهم أن يقرأوا تاريخ المملكة التي يدعون أنهم يدافعون عنها أكثر من غيرهم، وعلى أقلامهم أن تخرس وعلى ألسنتهم أن تصمت لأن “الذي لا يعرف الصقر يشويه”. أما الحكومة، فعليها القيام بواجبها أولاً إتجاه مواطني الدولة، عليها أن تعتذر للرمثا.
د. عبدالله الزعبي.

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. رمثاوي 26 أغسطس, 2019 at 06:04 رد

    شكرا للكاتب وشكرا لنواب الرمثا وشكرا لبسام السلمان واحمد حسن الزعبي وابوشدوان ومحمد فلاح الزعبي واحمد ابوخليل ورئيس البلدية وعلاوي البشابشة وكل من وقف يدافع عن الرمثا في محنتها – مع كل الاحترام والتقدير لمدير عام الجمارك ومتصرف اللواء ومحافظ اربد وقبل وبعد الجميع جلالة سيدنا – سائلين الله الامن والامان والازدهار لوطننا الغالي – وليخسا الجبناء والحاسدين الذين وقفوا ضد الرمثا باطلا وزورا وحسدا من عند انفسهم –

إضافة تعليق جديد