لكنا نحب القمح أكثر 
يسرى وجيه السعيد
“إنّا نحبّ الورد، لكنّا نحبّ القمح أكثر. ونحبّ عطر الورد، لكن السنابل منه أطهر”.. لقد كانت أطهر وأنقى، وحملت معها بذور أحلام كبيرة، لم تعد تلك السنبلة تصدق أغاني أولئك الرجال لها، وباتت تتمنع من الاقتراب منهم، وتأبى وصالهم، وتحترق.
سنابل القمح التي ماتت قرباناً لجحودنا، وربما لفقرنا وجفاف أرواحنا، كانت لعنتنا تصيبها، وكان ذنبها أننا وضعنا فيها كل أحلامنا. سنابل القمح هذه يا سادة عانقت صدور أطفالنا، ووعدتهم بألعاب وهدايا، وخبز وفير وربما مستقبل، وكانت قريبة منا مسافة قدم أو أكثر كما يقول المخذولون.تقول الحكاية:

من سيعوض كل هذا الوجع والقهر، والخسارات؟ وكيف سيكون الطريق أمام أولئك الذين أنهكتهم النيران التي حصدت مواسمهم، ولما تنطفئ بعد؟!

كان شتاء 2019 شتاء لم تشهده منطقة الجزيرة السورية ومحافظة الحسكة منذ أكثر من أربعين عاماً، وكان المطر الغزير يغسل كل صدأ السنوات السابقة من الجفاف، والقهر، والفقر، وقد ارتسمت على ملامح الوجوه أفراح منتظرة، ومؤجلة من عقود، وقد كُتبَت على أوراق الأيام خطط كثيرة لمشاريع كبيرة وصغيرة، وغنية وممتلئة بأمنيات ملونة، وكان هذا الشتاء منهمرا بأمطاره على أحزاننا وخيباتنا السابقة، وكان يخبئ للفلاحين جنيناً طالما انتظروه، ورسموا على ليلة ولادته عنواناً عريضاً: الفرج.

وتقول الحكاية: أن هذا الجنين احترق في رحم أرضنا التي حملت بذرته، وعجزت كل إطفائيات المحافظة عن إخماده، وتلتهم الحرائق في الشهر الأخير جنينا المنتظر، وحلمنا، ومستقبلنا أيضاَ.

الصباح تساوى مع المساء في الخوف، والعجز، وأستطيع أن أقرأ وبوضوح طلاسم الحروف على جبين من بذر وانتظر ولم يحصد، بل الحرائق هي من حصدت أرزاقه، وطمست معالم مستقبله، ومستقبل محافظة بأكملها.

أقرأ من أيام: أان محصول القمح من أهم المحاصيل الغذائية في العالم، ويعتمد عليه الشعب العربي وخاصة محدودي الدخل في غذائهم اليومي، ويغطي القمح أكبر مساحة من أي محصول غذائي آخر، وينتج منه ملايين الأطنان سنوياً”..

وأكتب على مذكرتي الخاصة: ويحترق منه الأطنان يومياً، وأبحث عن خبير نفسي يسجل لي أرقام الخسارات الروحية والاجتماعية التي تسجل مع تلك الحرائق، والتي تقف كل الأقلام والهيئات عاجزة عن إخمادها.

نيران المواسم في محافظة الحسكة لهذا العام تصدرت الخسارات، والويلات، والآهات والنكبات، لأنها لم تحرق موسماً اقتصادياً واحداً، وانما أحرقت مستقبلاً وأعماراً، وأجيالاً، فمن يطفئ النيران التي لما تزل تلتهم ما تبقى من سنابل القمح؟.. أهل الجزيرة: الذين موسمهم، وأملهم الوحيد هو القمح؟ والذين لم يبق لديهم سوى صدى أغنيات الحصاد التي أعدوها لفرح لم يأت، والتي تحولت لمراثٍ..

من سيعوض كل هذا الوجع والقهر، والخسارات؟ وكيف سيكون الطريق أمام أولئك الذين أنهكتهم النيران التي حصدت مواسمهم، ولما تنطفئ بعد؟!

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

إضافة تعليق جديد