عام جديد والحاجة إلى جهود لصناعة الأمل

بقلم المحامية مصون شقير

لم يُمثل العام 2018 حالة استثنائية بالنسبة للأردنيين بالمقارنة مع ما سبقه من أعوام من حيث طبيعة المشكلات وحجم التحديات، فالأزمة الاقتصادية يتم ترحليها من سنة لأخرى إلى أن أصبحت ذات طبيعة بنيوية، انعكست مع الوقت آثارها في الفضاء الاجتماعي.
فمن الصور التي خلفتها السنين الماضية، تآكل للطبقة الوسطى، وذبول أحلام الأسر في سد احتياجات أبنائها الأساسية قبل الكمالية، وازدياد حالات التفكك الأسري، وارتفاع نسب الفقر ومعدلات البطالة وازدياد أعداد الجرائم، ولا سيما جرائم المخدرات تعاطياً وترويجاً، وحالات الانتحار، وارتفاع منسوب العنف المجتمعي وبخاصة العنف اللفظي على منصات التواصل الاجتماعي، وهذه المشكلات في جوهرها تعبير عن أنين اجتماعي ويأس جمعي يستوطن القلوب.
والواقع أن الأزمة الاقتصادية بما خلفته من آفات اجتماعية لا يمكن نسبتها في كل مرة إلى ظروف خارجة عن إرادة الدولة وتتعلق بظروف الإقليم، فالتقرير المعنون بــ ” حالة البلاد ” والصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي مؤخرا يشير وبشكل واضح إلى مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ولأسباب مختلفة منها، غياب السياسات والاستراتيجيات الوطنية الخاصة بأكثر من قطاع حيوي، وضعف القيادات الحكومية، وتدني مستوى الأداء ونقص الموارد البشرية، وضعف الحوكمة الإدارية وانعدام الإبداع والابتكار في الأداء الحكومي.
على أن جميع ذلك لا يجب أن يُصادر حق المواطن بالحلم بواقع أفضل، وحشد الجهود في سبيل إطلاق إمكاناته وتحفيز دافعيته لصناعة الغد الأجمل، فهذا هو جوهر عملية صناعة الأمل، وهي وظيفة تتولاها الدولة بكل مؤسساتها وتبدأ من تبديد حالة الإحباط التي تهيمن على مجتمعنا الأردني، من خلال حماية التطلعات الكبرى لجموع المواطنين، والذوْد عن الرسالة التي يصوغها الضمير الجمعي وتتضمن المعاني النبيلة والتي بدونها تفقد الحياة معناها ومغزاها، وهي تسمو في مضمونها عن الاحتياجات اليومية – وإن كانت لا تهملها – لأنها تتصل بالقضايا الكبرى.
وفي نطاق قدرنا الجغرافي والسياسي فإن قضية فلسطين تُشكِّل عنوان هذه الرسالة وجوهر هذه القضايا، فالأردن بكل مكوناته عانى من آثار الهزيمة في مواجهة العدو المحتل، وما زال يعاني من خططه التوسعية وخياراته التي لا تتفق مع مصالحه الوطنية، وعلى ذلك فإن مسألة مواجهة الخطر الصهيوني بما يتطلبه ذلك من نصرة للقضية الفلسطينية ودعم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة هي جهود رسمية أولا و شعبية ثانيا.
وفي الوقت الذي اجتهدت فيه أجهزة الدولة وعلى مدى سنوات على توجيه اهتمام المواطن إلى شؤونه المحلية على أساس أن الاشتغال على القضايا غير المحلية ينطوي على هدرٍ للإمكانات والجهود ويفتح الباب للعبث بأمن الأردن الوطني ويُخِّل بإلتزامات الأردن الدولية، وقُدِّمت البرامج لغايات تنفيذ هذا التصور، نقول أنه على الرغم من هذه الجهود فإن الواقع لم يصبح أفضل والإنسان في وطننا لم يُمسِ أسعد، وبالتالي فإن التصدي للمشروع الإسرائيلي الاستيطاني التهويدي سياسيا من خلال الأجهزة الرسمية وشعبياً من خلال النضال المدني من شأنه أن يشحذ الهمم، ويبث الروح في أوصال هذا الشعب، ويُرمم إنكساراته، ويمنح معنى للحياة وشعورا بالجدوى، ودليل ذلك أن الشعب الأردني عاصر الكثير من الأزمات الاقتصادية الخانقة ولكنه كان أكثر احتمالا لأنه كان أكثر انغماسا في القضايا الوطنية والقومية.
كذلك فإن صناعة الأمل تحتاج إلى التعامل مع حالة الإقصاء التي تسود مشاعر المواطنين وتُخلِّف إحساسا عميقا بالقهر، فهم يشعرون دائما بأنهم ضحية التكلفة المُرِّة للسياسات العامة التي تضعها الحكومات المتعاقبة ولا سيِّما الاقتصادية منها والتي لم يشاركوا في صياغتها، وضحية كذلك للتنفيذ القاصر والمعيب للاستراتيجيات والخطط الموضوعة بحسب الأصل لإحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
على صعيد آخر فإن المواطنين يفتقدون لمنابر حقيقية تمكنهم من المشاركة والتعبير عن الرأي، فالاتحادات الطلابية والنقابات المهنية تخضع لقيود تحدُ من مشاركتها في الشأن العام، وبرامج الأحزاب غير قادرة على الاستقطاب الجماهيري، ومجلس النواب مع كامل الاحترام لا يمثل الشعب تمثيلا دقيقاً، وأداؤه بالمجمل لا يرتقي لمستوى التطلعات.
ولذلك فإن هذا الأمر يتطلب من الحكومة بناء حالة توافق وتراض على سياساتها العامة وبخاصة نهجها الاقتصادي – والذي يجب أن يحمل إمكانات لتحقيق واقع أفضل – من خلال الحوار الفعال والاستماع الحقيقي للقوى السياسية والمجتمعية والذي من شأنه أن يُشعر المواطن بأنه شريك حقيقي في هذا السياسات وبالتالي يتشكل لديه الاستعداد لتحمل تبعاتها ولو إلى حين، وهذا الحوار يتطلب إيجاد منابر عديدة وحقيقية للتعبير عن الرأي من خلال تفعيل دور الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية ومراكز الشباب الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة في المشاركة في الشأن العام.
كذلك يتطلب الأمر البدء بحوار مُبكر حول قانون الانتخاب للوصول إلى حلول ناضجة تساعد في تشكيل مجلس نيابي يُمثل الشعب بشكل حقيقي ويعكس تطلعاته بأداء مميز على مستوى الرقابة والتشريع.
إضافة إلى أن التعامل مع الشعور بالإقصاء والتهميش يتطلب تشجيع ثقافة التطوع، وتقديم مبادرات حكومية بهذا الخصوص، والاحتفاء برواد العمل التطوعي بشكل منتظم دون اصطناع أو تهويل، ذلك أن العطاء يمنح الأمل للآخرين، وبنفس الوقت يُجذِّر إحساس الإنسان بدوره الإيجابي في الحياة، ويؤسس لحالة من نكران الذات وبعيدا عن الفردانية والأنانية.
كذلك فإن صناعة الأمل تتطلب صيانة كرامة المواطن من خلال حصوله على الخدمات الحكومية بأعلى مستويات الأداء والمهنية، بما يتطلبه ذلك من حوكمة العمل الحكومي وتوفير الطاقات والموارد البشرية المؤهلة والمدربة اللازمة لذلك .
وأخيرا فإن صناعة الأمل تحتاج إلى مراجعة الخطاب الإعلامي، بحيث يتفادى اجترار الأحداث المفجعة دون توقف، ويمتنع عن تقديم الأخبار الشاذة الغريبة عن قيم المجتمع ومبادئه والتي تزرع اليأس والخوف في وجدان المتلقّي، ثم العمل بدأب على تقديم التحليل المنطقي والموضوعي للأحداث والمشكلات الذي يتيح آفاقا لحلول ممكنة، وكذلك إبراز الأحداث السارة ومنجزات البشرية وابتكاراتها وإبداعاتها، كما يتطلب الأمر بناء خطاب ثقافي يعنى بتطوير الذائقة الجمالية من خلال تقديم ودعم المنتج الثقافي المميز والذي يُغني الروح ويثير السؤال ويبعث على الدهشة.

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ