ذكرى الميلاد في عقد الحصاد

 

د. عبدالله الزعبي.

يكتسي اليومُ البياض في العيد ويرقص على أنغام الذكرى ويحتفي بالميلاد، يرتدي ثوب النهاية ووشاح الوداع إذ يدخل عقد الحصاد في نبوءة الأجل والرحيل وساعة الغروب، بعد أن توالت السنون وتمارت الأيام، والدهر سامد ساهي والعيش أزف وضاق. يرمق اليومُ خطوات البراءة الأولى في مرتع الطفولة بحسرة وندامة إذ تغفو في الأمس البعيد ويتوارى ظلها خلف الطيف وفي السراب كأنها ومضات في رحم الأمومة وحضن الحنان الذي كان، ينظر إلى فيض الذكريات التي سكبت في نهر النسيان، يتلوى اليومُ الماً على كل لحظة في الطفولة والصبا وصدر الشباب والكهولة احتجبت خلف ستار العمر دون أن تزدان بالخير والود والعون والطيب وتتجمل برحيق الخُلق وعبق العلم والقلم، يتململ نهار اليومِ متبرماً من العيد والميلاد ونبوءة الحصاد، دونما خوف أو خور أو رعشة إرتعاد أو طمع في دنيا الزوال، فالقلب ما جزع يوماً وما أرتاع الفؤاد، وما أمتدت اليد قط أبداً وما هامت الهامة أو أنحنت سوى للسماء، هي رغبة فحسب في العطاء والجميل والسير في دروب سلكها أهل العز والشرف والمجد التليد لأمة استمرأت التيه وضيعت الكرامة وباعت الرجولة في سوق الجشع والطمع وعبودية الصولجان.

اليوم يحمل ذكرى البارحة على كتفيه ويخبيء حلم الغد في أحشائه، يخفيه عن نفس ما علمت ما تكسب فيه، نفس تترنح بين الخيال والإحساس ومسافة الحنين، تكتب بمداد القلب أنين السنين وفرحة العمر الحزين، تخط مضجعها بإطراف الأسنة وأكف الألم وتنحت الأنان في طرس الخلود، تسجله على لوح فيه نسجت أسماء الأحبة ومودة القربى وصمت الخشية ودموع انهمرت في خشوع، وليال طويلة جابت الأسطر والحروف وتلألأ فيها فجر انبثق من ثنايا المنى والعلا وشوق اللقيا ووعد الميلاد الجديد.

ذكرى الميلاد ` اليوم تفتح كتاب نبوءة السماء بعقد الحصاد، تلك الصفحة الأولى من رحلة البداية للنهاية، فما بين الستين والسبعين تقف الأعمار، تهب فيه رياح الردى ويتردد صدى النزوح والفراق، هجرة إلى ما وراء الحياة في غابة المجهول واللانهاية والأفول. في ذكرى ميلادي اليوم يحتفل الرثاء ويزهو الحنو ببراعم الشفقة وأزهار السفر، فقدم ما سرت بمذلة لن تبطء المسير للقدر والمصير، وروح ما عرفت اليأس والقنوط، قد تجشمت الصبر والقناعة وسلوى التفكر والذكرى، هي روح لا تخشى الردى وعقد الحصاد إذ ترقص على أنغام المحبة لله والوطن والقوم الكرام وتحتفي اليوم بالرضا.

 

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ