حديث القيلولة والمصير.. د. عبدالله الزعبي.

 

وثب من رقدة الظهيرة وبرهة التدبر على وقع رنين الهاتف النقال الذي مزق خشوع العزلة وسكون الخلوة، تعجب من ضجيج تلك النغمة النزقة التي مسحت من ذاكرة الأيام زقزقة العصافير وشدو البلابل ونفثت صياح الديك في الفجر نفث السحب في سقف السماء وربوع النسيان. التقط بخفة ذاك الخفير الثقيل على حياة البشر، وعلى صدى تحية وقورة وسلام خجول، تهلل وجهه بِشراً وفرحاً، رد التحية بحرارة على إبن عمومته الرصين وجاره الرزين، فلطالما اتخذه منذ الصغر عنواناً للأدب ورمزاً لحسن الخلق ومثالاً للنبل واللين. نادراً ما كانت تلتقي دروبهما التي تناثرت مع تعاقب السنين، لكن جذوة الود وقبس الإكرام بقيت تتوهج في قلبه متوقدة على مدار العمر الذي يتسابق مع الدنيا والأمل والأمنيات.

كان الحديث شيقاً ذا شجون حول الوطن والفكر والرجال، تطرق إلى الصعاب والحيرة والضياع، وأخذهما بعيداً ناحية أودية القلق ونفق المصير، لكن خبرته الطويلة على رقعة السياسة ومقام الوزارة بدت واثقة سديدة، غزيرة الثمر وافرة الظل، تفيح حكمةً وحلماً، تلمح فيها صدقاً تصدقه سيرة ما تلوثت بمنزلة أو منصب، وما تلطخت بمال أو دنست بفساد، سيرة تعطرت برحيق الثرى وأريج الأصالة والسلف وهيبة الأجداد. كادت كلمات قدوته تخترق الهاتف عزماً وثباتاً، تحث على الصحوة واليقظة والوقوف صفاً واحداً مع الوطن في صراعه مع الزمن ومعركته مع الذات. اتقفا على لقاء قريب ثم أنهى المكالمة بالتضرع والدعاء، وذلك يبدو أضعف الإيمان في زمن الغموض والتيه والإرتباك.

تنفس الصعداء على وقع تحية الوداع إذ كان يخشى أن يقحم محدثه بإختلاف الرأي والرؤية، بيد أن الخواطر سرعان ما إختطفته على اجنحة السراب وقذفت به إلى أقصى نواحي الهواجس والوسواس، وبلحظة تناوبته نوازع الشك والريبة وأنتابته نوبة خرع وخور، فمنذ ثمان سنين إذ يسمع هتاف النشامى ودعوة الإصلاح، سلاحهم هتافهم، وعشق الوطن والفقر ووحدة المصير، وحسرةً دونما مجيب، ما خلا العناد والإنكار، تمضى الحال في السرى وتجن الأرقام وتضيق الجيوب والنفوس، وعندما أعيا الصبر أصحابه شرع الهتاف يخترق كل السقوف، يخشى أن يهدم السقوف، وكأنما الأرض شرعت تشتم رائحة الحطب والدم، وفلول داحس والغبراء خبط عشواء تستبيح الديار والمنايا، لا تبقي ولا تذر، وعلى صليل السيوف وصهيل الخيل أفاق مذعوراً من قيلولة الشؤم، يدعو بإن يكون ما رآى حلماً خيل إليه لاحقيقة طلت من فوق اطلال الجوار عليه، فربما كان إبن عمومته قد أضرم في وجدانه النار.

 

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ