بيع النحاس والصوف في الرمثا

الدكتور سعيد البشير

من ذاكرة الطفولة
“الطلب الشديد على النحاس وخردة الحديد والصوف”

في اعقاب الحرب الكورية ما بين ١٩٥٠- ١٩٥٣ .وبعد الخسائر الجسيمة في الارواح والمعدات الحربية والمدنية التي تكبدتها جميع الاطراف التي تورطت في هذه الحرب القذرة . أصبح الطلب الشديد على على شراء ( الخردة ) من النحاس ( بنوعيه الاحمر والاصفر ) والحديد ، وكذلك اشتدٌ الطلب ايضاً على شراء الصوف المستعمل وغير المستعمل .وسبب ذلك هو اعادة تشغيل المصانع الحربية والمدنية ، لتعويض الخسائر الفادحة في المعدات والتجهيزات ، والسلع المختلفة .
اما في الاردن وفي الرمثا بالذات ، فقد نشط تجار لشراء خردة النحاس والحديد والصوف . ومن كبار هؤلاء التجار كان عمي محمود البشير رحمه الله تعالى ، والمرحوم محمود أمين ديباجة .
وكان تجار يحضرون من لبنان ويشترون ما تجمع لدى تجار الرمثا من هذه الخردة ، ثم يقومون بتصديره عن طريق ميناء بيروت الى اوروبا وغيرها .
وصادف انّ هذه الاعوام كانت اعوام قحط وجدب شديدين ، اكلت الاخضر واليابس ، وخاصة في الرمثا التي كانت تعتمد بشكل رئيس على زراعة الحبوب . ولذلك فإنّ ارتفاع اسعار خردة النحاس والحديد ، والصوف المستعمل، وبشكل غير مسبوق ، كان بمثابة انقاذ لحياة الكثيرين من مجاعةٍمحققة . فقد اصبح سعر مدّ القمح ( عشرين كيلوغرام ) بدينارين ونصف ، أي ما يعادل قيمة ليرة ذهبية . حيث لا يمكن للفقير وحتى لمتوسط الحال شرائه ، هذا بالضافة الى ندرة وجوده .
وازاء هذه الاوضاع الاقتصادية الصعبة ، فقد اصبح يجمعون ما لديهم من آواني نحاسية ، كالطناجر والقدور والمناسف والصحون والزبادي والكباشي والمعاجن ، وكل شئ نحاسي، ويبيعونها بأسعار عالية، ويستبدلونهابأواني من الألمنيوم وغيره .
كما نشط البعض وجابوا القرى والبوادي الاردنية ، ويشترون الآواني النحاسية وخردة النحاس ، والإتجار بها . كما نشطت سرقة اسلاك خطوط الهاتف الخارجية والمصنوعة من النحاس ، ولم تسلم كوابل خطوط الكهرباء من ذلك .
ومن طريف ما شاهدت ، انّ احد الشباب الصغار قد سرق ابريق الوضوء الخاص بجده ، ( وهو ابريق مصنوع من النحاس الاحمر ، ويعتبر تحفة فنية ) ، وباعه لى احد تجار الخردة الصغار . ولما اراد الجدّ ان يتوضأ ، ولما لم يجد الابريق، اقام الدنيا ولم يقعدها ، فهرع ابنائه يستجوبون الشاب ، ويهددونه ، ويضغطون عليه حتى اعترف ، ودلهم على الشخص الذي اشتراه ، حيث استعادوه منه .
اما الصوف فلهو قصة اخرى، حيث ارتفع سعره اضعافا مضاعفة، إذ اغرى النساء لإفراغ ما لديهن من فرشات ولُحف ومخدات محشوتاً بالصوف ، وبيعه لتجار الصوف . والاستعاضة عنه بالقةطن (نخب ثالث ورابع) وحتى أنّ بعض النساء حشت المخدات (بالشرايط) والخرق.
وقام بعض الصناعيين باحضار ماكنات سموها (المندفه) بحيث كانت تندف الشرايط والخرق وتحولها إلى ما يشبه القطن، وذلك لاستعماله في حشو الفرش والمخدات والطراريح (الجنبيات). كما أنّ بعض النساء ايضا كنا يحولنا ما لديهن من خِرق وملابس قديمه وقماش، إلى شرائط رفيعة ويغزلنها ويرسلنها إلى المرحوم ليصنع منها الفجج.

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

10 comments

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. رمثاوي 4 نوفمبر, 2018 at 06:24 رد

    كل الشكر دكتور على هذه المعلومات الموثقة القيّمة جدا عن تاريخ مدينتنا الحبيبة ولا يخدش روعتها واهميتها الا بعض الاخطاء الاملائية والنحوية التي تستحق المراجعة من المحرر قبل النشر حتى تعم الفائدة – مع جزيل الشكر

  2. ام محمد USA 4 نوفمبر, 2018 at 09:39 رد

    ذكريات جميله بسيطه ساذجة اشم فيها رائحة الطيبه
    رغم الجوع والفقر ورغيف خاف أطيب من اكل الكافيار
    في هذه الأيام
    يسلم اثمك ويعطيك ربي الصحه والعافيه

  3. د. فايز أبو الكاس 4 نوفمبر, 2018 at 13:19 رد

    نعم هو الفقر نتيجة القحط المتـتالي ما أرغم الناس هنا لبيع أدواتهم النحاسية التي لا تــُعلم هوية من اشتراها و أين استقرت في النهاية . لقد فرح الناس بأواني الألومنيوم ضنـًا منهم أنه أخف و أسهل للتنظيف ، و لكنهم لم يكونوا على علم بمخاطره . . أما النحاس فكان يحتاج إلى تبييض بالقصدير كل عام و إلا سيتكون عليه أكسيد النحاس الناتج عن الجنزارة CuCO3 .
    دكتور سعيد ، إنها ذكريات مؤلمة رغم كونها مثيرة . تحياتي أبا محمد .

  4. غير معروف 4 نوفمبر, 2018 at 16:45 رد

    الى الأخ رمثاوي
    شكراً لكم على كلمتكم الجميلة وعلى ملحظاتكم القيمة ، فبالنسبة لملاحظتكمرعلى الاخطاء الاملائية ، اصدقك القول انني ضعيف في الكتابة على النت ، وعيني اليمنى والIpad لا تساعد كثيرا. على الطباعة ، وقد تعذبت كثيراً حتى طبعة هذه المقالة حتى انني لم اتمكن من مراجعتها ، شكرا. لكم

  5. دكتور سعيد البشير 4 نوفمبر, 2018 at 16:54 رد

    الى الاخ العزيز رفيق الدرس الدكتور فايز ابو الكاس
    نعم تعليقاتك صحيحة كان هناك وخاصة في الخمسينيات من القرن الماضي فقر مدقع اجبر الناس على بيع ما لديهم من آواني نحاسية وصوف ، لكي يبقوا على حياتهم وحيات اولادهم . نعم ان الآواني النحاسية تحتاج بين الفينة والاخرى الى تبييض بالقصدير عند المبيّض وكان هناك مبيّض واضنه من آل سكرية اسمه صلاح ، شكراً لكم اخي ابا محمد ، معرخالص تحياتي وامنياتي لك بالصحة والعافية

  6. رمثاوي 6 نوفمبر, 2018 at 11:30 رد

    شكرا للكاتب الرائع ( وشكرا لتعقيبك على الاخطاء الاملائية لان في ذلك فائدة لنا ولاولادنا الذين يتابعون هذه الكتابات ) وشكرا لتعليقات الدكتور ابو الكاس ( مع خطأ املائي في كلمة “ظن “)وننتظر تعليقات الرائع الدكتور محمود العبدالرزاق من المانيا – فقد افتقدانها نحن بسطاء القراء – شكرا للجميع

  7. رمثاوي 2 6 نوفمبر, 2018 at 11:30 رد

    شكرا للكاتب الرائع ( وشكرا لتعقيبك على الاخطاء الاملائية لان في ذلك فائدة لنا ولاولادنا الذين يتابعون هذه الكتابات ) وشكرا لتعليقات الدكتور ابو الكاس ( مع خطأ املائي في كلمة “ظن “)وننتظر تعليقات الرائع الدكتور محمود العبدالرزاق من المانيا – فقد افتقدانها نحن بسطاء القراء – شكرا للجميع

  8. د. فايز أبو الكاس 6 نوفمبر, 2018 at 22:16 رد

    أيظن الأخ الرمثاوي أنّ الكاتب معصوم عن الخطـأ وغير المقصود خاصة ..نعم أشكرك على التنويه عن كلمة ظنّ و هي بالضبط زلة قلم ، كما زلّ قلمك في كلمة (افتقدناهـا) .. لا بد من وجود الأخطـاء لأننا لا نحرر الكتابة و خاصة على الموبايل .

  9. ابو نضال 9 نوفمبر, 2018 at 08:52 رد

    اشكر الاخ الدكتور سعيد على كتاباته الصادقه والشكر موصول الى جميع الاخوه والاخوات الذين علقوا حول الموضوع واتمنى ان تكون الرساله قد وصلت ونرجو ان نقرا كذالك من كتابات الاخ الدكتور محمود المحترم مع اطيب الامنيات للجميع

إضافة تعليق جديد