الجزء الثاني / الطب في الرمثا في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي 

 

بقلم الدكتور سعيد البشير الشقران

 

كنا قد استعرضنا في الجزء الاول من هذا البحث العيادات والاطباء ، والاطباء الشعبيين والدايات اللواتي كنّ يولدن النساء الحوامل ويكشفن عليهنّ ، ويعالجنّ الاطفال . وتمت الاشارة ايضاً الى بعض الامراض التي كانت تعالج بالادوية الشعبية والاعشاب وغيرها .

ومما هو جدير بالتنويه : أنّ الاخ هلال احمد الصمادي مشكوراً ، كان قد ذكرّني بطبيب من ابناء الخليل اسمه عبد الحيّ شاور ، كانت عيادته ، في منزل الشيخ احمد الصمادي رحمه الله ، وذلك في الخمسينات من القرن الماضي .

 

وفي هذا الجزء من هذا البحث سنستكمل بعض الامراض التي كانت تعالج بواسطة الاطباء الشعبيين والدايات ، وبعض انواع الادوية الشعبية ، وبعض الاعشاب الطبية . فبالنسبة لأمراض العيون ، فإنّه في فصل الصيف كان يكثر ما يُسمى ( رمد العيون) ، وذلك بسبب تطاير الغبار والتبن الناعم ( الطيار ) من البيادر القريبة جداً من بيوت السكن اثناء الذراوة . والرمد يصيب الاطفال اكثر من البالغين ، وذلك لتعرضهم اكثر للغبار بسبب اللعب . اما العلاجات الشعبية التي كانت تستعمل لمعالجة هذا المرض السيّئ : الشاي المغلي بدون سكر ، حيث يُبلل قطعة من القطن او قطعة من القماش الابيض النظيف ( شاش ) تبلل بالشاي المغلي ، وتوضع على عين المريض المصابة بالرمد صباحا ومساءًعدة ايام حتى الشفاء . ومنهم من كان يستعمل مادة كيماوية بيضاء اللون تُدعى ( بوريك ) ، ومنهم من كان يستعمل مادة صبغية حمراء اللون تُدعى ( دودة حمرا ) ، بحيث تطحن بواسطة الهاون ، وتنخل بواسطة شاشة بيضاء ، ثم تذرّ في العيون ، ولذلك كانوا يسمونه الذرور ، ومن مساوئه انه يصبغ العيون والجفون وحتى الخدود باللون الاحمر و الذي يبقى كذلك لعدة ايام .

اما اذا كانت جفون العيون ملتهبة ، او بها مرض

معيّن ، فإنّ الطبيب الشعبي يأتي بقطعة من ( الشبّة) ويحك بها الجفن الداخلي للعين .

امّا اذا اصاب العين ما يسمى ( الجنيجل او الجنجل ) والجنيجل عبارة عن نتوء او كتلة صغيرة تكون داخل الجفن ، فاللخلاص منه يؤتى بقليل من الكحل الاسود ويكبس به الجنجل ، وبعد عدّة محاولات يختفي هذ الجنجل .

وهناك من النساء وحتى بعض الرجال ، كانوا يستعملون ( الكحل الاسود ) لتقوية الابصار ، وحماية العين من الامراض ، وحتى علاجها . علاوة على انّ النساء وخاصةًالصبايا منهن ، كنّ يستخدمن الكحل للزينة كمكياج للعيون (Eye liner ) فيتغنى البعض بالعيون الكحيلة ، واذا ذكرنا الكحل يذكر ( المكحلة والمرود ويسمى ايضاً الميل ) ، ” من يوم علمي وعلمك والميل ما جريته ” .

واذا اصاب احد كبار السن ما يسمى ( الماء الأزرق ) او (الماء الابيض) وغيره ، فلم يكن له علاج قي ذلك الزمن ، ( هكذا كانوا يعتقدون ) ، ولذلك من كان يصاب بهذا المرض كان يؤدي به الى العمى . اما من كان منهم على وعي تام بهذا المرض ، وحالته المادية تسمح ، فإنه يذهب الى مدينة القدس ، حيث يوجد هناك طبيب عيون مشهور ، واظنّ انّ اسمه الطرزي .

اما بالنسبة لكسور العظام ( الأيدي والارجل ) مثلاً ، فكان الطبيب المشهور في ذلك الزمن هو المجبر محمد المرعي البشابشة رحمه الله ، الذي عاش كما يقال حوالي مائة واربعين عاماً، ثم جاء ابناؤه واحفاده من بعده . وكان في مدينة الحصن مجبر مشهور ايضاً ، لا تسعفني الذاكرة بذكر اسمه .

اما الامراض النفسية : فإذا اصاب احدهم مرضاً نفسياً او مسّاً ، فإنهم كانوا يلجأون الى بعض الشيوخ ، امّا لكتابة ( الحجب ) ، او لقراءة الرقية الشعبية . والبعض يلجأ الى فرق الدراويش ( حيث كانت هذه الفرق منتشرة في الرمثا وغيرها في ذلك الحين ) ، فقد كانوا يُحضرون المريض الى احد البيوت ، الذي يجتمعون فيه ، ويضعون المريض في وسط الحضرة ( أي حلقة الدراويش ) ، ويدقون ما كان يسمى ( العدّة ) ، والعدة هي الدفوف والصنوجات( الصناجات) ، والشيش وغيرها . ويدقون هذه العدّة مع الاذكار والمدائح النبوية . والشافي هو الله سبحانه وتعالى .

اماّ بالنسبة لامراض الاسنان والاضراس ، فكانوا يلجأون الى بعض الحلاقين ، لخلع الاضراس ومداواتها وبعض الأعشاب . وفي آوائل الخمسينات حضر من فلسطين مهاجراً طبيب اسنان كان يدعى ابو خليل وهو من اصل لبناني ، واقام في منزل المرحوم احمد منزل السلمان ( جارنافي الحي ) ، واخذ يمارس مهنته من معالجة وخلع وعمل اطقم اسنان ، وتركيب جسور اسنان من الذهب والفضة وغير ذلك .

وبسبب قلّة النظافة في ذلك الزمن ، وتلّوث مياه الشرب ، ( اذ كانوا يشربون من آبار الجمع ، أيْ من مياه الامطار التي كانت تسيل على البئر من الاراضي التي تحيط بالبئر ، الذي يكون في العادة في البيادر ومحيط القرية ) ، فقد كانت تجتاح الرمثا وغيرها من القرى والبلدات جوائح من الأمراض السارية كالملاريا ، والتفؤيد ، والسل ، والجدري ، والحصبة . والجدير بالذكر أنّ الحصبة ( او ما كانت تُعرف بالحُمرة ) والتي بالعادة تصيب الاطفال ، كانت اذا حلّت بحيّ من احياء الرمثا ، فإنّها تحصد ارواح معظم اطفاله ، ولا ينجو منه الا كل طويل عمر .

لا شكّ ان وزارة الصحة كانت تقوم بحملات تطعيم ضعيفة لمكافحة هذه الامرض الخطيرة والمعدية ، بجيث يأتي مأمور الصحة الى بيت احد المخاتير ، او الى مضافة احد الوجهاء ، ويقوم ما كان يُعرف بالصيّاح او المبلّغ ( ابو حسن الصياح اشهر المبلغين ، وصاحب الصوت الجهوري ) بتبليغ الناس في جميع الاحياء بوجود مأمور الصحة ، من اجل التطعيم او ما كان يسمى ( القرفة ) .

ومن العلاجات الشعبية التي كانت الدايات ( الطبيبات الشعبيات ) يستعملنها : المروحة ، والمرمكة ، والعنزروت ، لاوجاع البطن والجهاز الهضمي . وهناك الموميا ، والشعيرة هندي تستعمل لامراض مختلفة ، والحرمل لعلاج الروستاتا وغي ذلك من الأمراض ، والهوى الجواني ممزوج بالعسل وشمع النحل وبعض الادوية الاخرى للحروق . وهذه الادوية كانت تشترى من عند العطارين ، وكانت لا تخلو اي دكان من ما كان يسمى علبة عطارة ، علاوة على وجود بعض العطارين المتخصصين في مدينة اربد ، مثل جمعة ودركل وغيره . وكانت دكاكين العطارة بمثابة الصيدليات في هذه الايام .

اما العلاجات من الاعشاب التي كان يتداوى بها الناس ، وبعضها لا يزال : الميرمية والبابونج ، والبعيثران ، والشيح والقيصوم ، وجعيدة الصبيان للاطفال . كان جدي رحمه الله يغلي الشيح والقيصوم ويعبأه بزجاجات ويوزعه مجاناًعلى البعض ، وممن يعاني من بعض الامراض ، وخاصةً امراض الجهاز الهضمي والسكري .

ومن الاعشاب والأدوية التي كانت تستعمل لعلاج الامساك ، وتنظيف الجهاز الهضمي : زيت الخروع ، السلمكة ، العشرق ، والملح الانجليزي ( ملح ابسوم ) وغيرها . اما قرحة المعدة فكانوا يستعملون قشور الرمان ، واحيانا الدباغ ، وربما نخالة الطحين .

اما القحّة ( السعال ) والنزلات الصدرية ، والتهابات الجهاز التنفسي ، فقد كانوا يستعملون ، زيت السيرج ( زيت الحلاوة ) ، وكاسات الهوى ، وبعض الاعشاب كالقسطة هندي ، والزعتر .وكذلك الزنجبيل والخولنجان والتيهان . فقد كانت والدتي رحمها الله تعالى تعمل خليط من مسحوق الزنجبيل والخولنجان والتيهان والسكر الفضي ( سكر نبات ) ، وتأخذ من هذا المسحوق صباحاً ومساءً لعلاج السعال المزمن الذي كانت تعاني منه .

ومن اسماء الدايات والطبيبات الشعبيات المشهورات في الرمثا في ذلك الزمن اذكر : جدتي نورة الرزيق الشنانينة رحمها الله ( زوجة المرحوم مفلح البشير الشقران) ، والمرحومات : مريم الغانم ، اسيا الغانم ، فيدة ( زوجة المرحوم سليم الطويق ) ، فاطمة الحجي النويران ، مريم المفلح ( زوجة المرحوم الحاج محمد النويران الشقران ) ، واقطيفة ، وغيرهن ممن لا تسعفني الذاكرة بذكر اسمائهن

واذا أصاب أحدهم مرضاً مستعصياً ، لا تستطيع الطبيبات الشعبية علاجه ، فيمكن ارساله الى احد الاطباء في مدينة اربد . واما ادا كان مرضه مستعصياً جداً ، فقد ذكر لي احد كبار السن انهم كانوا يأخذونه الى مدينة طبريا في فلسطين ، وكان ذلك في الثلاثينات . وبعضهم ممن كانت حالته المادية جيدة يذهب الم مدينة دمشق او الى عمان . علماً بأنه كانت هناك صعوبة كبيرة في المواصلات ، بسبب قلّتها واجورها المرتفعة جدا . وقيل لي انّ بعضهم كان ينقل مريضه الى اربد على ظهر حمار ، ولم يكن في الرمثا آنذاك سوى سيارتي اجرة ( تكسي ) ، احدهما تعود لشخص يقال له ( ابو ولعة ) ، والأخرى تعود لشخص اسمه ( حامد ابو مرّة ) . وقيل لي انّ اجرة الراكب الى اربد كانت نصف جنيه ( تعادل نصف دينار ) من دنانير تلك الايام .

اجد انه من المفيد ان اذكر اسماء بعض الاطباء في مدينة اربد و الذين تساعدني الذاكرة بذكر اسمائهم : احمد المحايري ( أظنه سوري الاصل ) دكتور بركات ( غير معروف الهوية ) ، احمد الشرايري ، احمد الطوالبة ، بطرس باز ( اشوري من اصل عراقي ) ، دكتور اسماعيل النابلسي ، ومن ثم في آواخر الخمسينات ، عدنان الحلبوني طبيب اطفال ، وطراد القاضي وغيرهم .

ومن المستشفيات التي كانت موجودة في ذلك الزمن ، مستشفى اربد ، وكان كما اعتقد مكان مستشفى الاميرة بسمة الحالي . وفي عمان كان العديد من المستشفيات الخاصة ، مثل مستشفى ملحس ، المستشفى الطلياني وغيرها ، علاوة على وجود العديد من المستشفيات الحكومية .

والى لقاء آخر في موضوع تراثي آخر من تراثيات الرمثا العزيزة.

 

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

9 comments

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. محمد عبيدات 8 فبراير, 2019 at 07:26 رد

    استاذي العزيز لقد نسيت من محبري الكسور الحاج عبدالله العلالي ابو زايد ومن المقابلات الحاجه عليا الوزان وأم ابراهيم الطويل والحجه وسيله الحبرميه وهي من أصل لبناني ارجوا ان تتسع بالبحث ولا تقتصر على الحي الجنوبي للعلم انت جدتك نوره الرزيق وانا جدتي فضيه الرزيق صباح الخير

  2. ابو نضال 8 فبراير, 2019 at 09:13 رد

    الاخ الدكتور سعيد المحترم ؛ الموضوع الذي اخترته جميل جدا و الله يعطيك العافيه مع اطيب الامنيات بدوام الذاكره القويه و الى الامام دائما ان شاء الله ..

  3. دكتور سعيد البشير الشقران 8 فبراير, 2019 at 15:04 رد

    الى الاخ محمد عبيدات ، انّ كل ما ذكرت صحيح ، انّ ذاكرتي لا تتسع لكل هؤلاء الناس من الدايات وغيرهن ، لقد حاولت جاهداً ان اسأل البعض ان كانوا يعرفون دايات اخريات فلم اوفق ، طلبت من اخ كريم عنده بعض المعلومت عن اسماء بعض الدايات ان يكتب لي اسمائهن على ورقة خوفاً من انسى البعض ، فأجابني بقوله والله مني فاضي . اما بالنسبة للمرحومة الحجة وسيلة الحبرمية ، فأنا اعرفها حق المعرفة ، وكان ابنها علي رحمه الله ابن صفي وصديق وكنت اذهب الى بيتهم في السوق مقابل بير ابو المصارين ، ولكنني لم اعرف انها كانت داية ، على كل اشكرك على هذه المعلومات القيمة . لقد تركت الباب مفتوحاً لكل من لديه معلومات ليدلي بدلوة ، فالمعلومة ملك للجميع ، شكرا لكم .

  4. دكتور سعيد البشير الشقران 8 فبراير, 2019 at 15:07 رد

    الاى الاخ العزيز ابو نضال المحترم
    اشكرك كل الشكر على مرورك الكريم ، والله يعطيك العافية

  5. كريم الله 8 فبراير, 2019 at 17:59 رد

    هذا السرد جميل واستطراد للذاكره ولكن يجب ان يكون هناك منهجيه لتسميه بحث وبارك الله جهودك ايها المحترم

  6. دكتور سعيد البشير الشقران 8 فبراير, 2019 at 23:16 رد

    الى الاخ الموقع بكريم الله
    تحيةً وبعد
    اولا. اشكرك على مرورك الكريم
    ثانياً هذا البحث ليس بحثاً اكاديمياً ، ولن اقدمه للترقبة ، انه بحث وسرد لاحداث اجتماعية حثت في الومثا في الاربعينات والخمسينات من القرن المضي ، والهدف منه اطلاع الناشئة على مجريات الحياة الاجتماعية التي كان يعيشها ابائنا واجدادنا في حقبة تاريخية معينة ، وتوثيقاً لهذه الاحداث لأنها سوف تنسى بعد انتهاء اجال تلك الاجيال التي عايشتها او سمعت عنها من الآباء والاجداد . شكراً لكم مرةً اخرى

إضافة تعليق جديد