الباص 65.. فلسفة التعدّدية

بشير البكر

ثلاث سنوات وأنا أستقل الباص 65 في الذهاب صباحاً إلى العمل والإياب إلى المنزل. ويربط هذا الباص بين محطة إيلينغ برودواي للقطارات في غرب لندن وضاحية ريتشموند على الطرف الآخر من التايمز، والتي تمتاز بأنها تمتلك واحدة من أكبر حدائق لندن تعيش فيها الغزلان، عدا عن أنها إحدى ضواحي لندن الأكثر جمالاً ونظافة وغنىً بيئياً ومائياً، وتسكنها على العموم طبقة ما فوق متوسطة، وهذا أمر ينعكس في العمران قبل كل شيء.
للباص 65 في الصباح الباكر حالاتٌ لا تتشابه، وتختلف في نوعيات الركاب القادمين من الضاحية باتجاه محطة ساوث إيلينغ التي تقع على خط بيكاديلي الذي يعتبر أحد أنشط خطوط مترو لندن، وأكثرها حركةً بسبب مروره من وسط المدينة، ووصوله إلى مطار هيثرو ثاني أكبر مطار في العالم. ويبرز خلاف حالات الركاب كثيرا بين السابعة والثامنة صباحا، ويضيق الخلاف ليصل إلى حدود الرحلة الواحدة كل خمس دقائق. ويبدو أن التوقيت مدروسٌ بالنسبة لغالبية الركاب الذين يضبطون ساعاتهم زمنياً على نحو دقيق جداً ليتحكّموا بوقت الباص والمترو معاً، كي يصلوا إلى محطتهم الأخيرة في الوقت المناسب، وضمن هامشٍ لا يتعدّى عشر دقائق.
وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة، صرت مع الزمن أعرف ملامح عدد كبير من وجوه الركاب، وبدأت أميز بين الدائمين الذين يسكنون هذه الضفة من النهر والضفة الأخرى حيث تبدأ ضاحية ريتشموند. الخلاف طبقي قبل كل شيء، ومن ثم عرقي، حيث تسكن في الضفة القريبة من إيلينغ جالياتٌ أجنبية يبرز منها أكثر البولنديون الذين توافدوا إلى بريطانيا في هجراتٍ متباعدة، ولكن أكبرها كانت في التسعينيات خلال تولي توني بلير رئاسة الحكومة. وكانت حسابات بلير أن البولنديين عمالة ماهرة ورخيصة، وذات منبت أوروبي يمكن أن تحقق توازناً مع الأعراق الأخرى، وخصوصاً الهنود والباكستانيين، ولكن هذه النبوءة ارتدّت على نحو شكسبيري في تصويت بركسيت، حيث ظهر أن هناك اتجاها في صفوف الآسيويين يؤيد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، طمعاً بطرد البولنديين من بريطانيا. ويأتي الصوماليون في المقام الثاني في هذه المنطقة، وهم الذين قدموا إلى لندن في مرحلة الحرب الأهلية في بلدهم، وصاروا يشكلون جالية معتبرة، لها حضور خاص، بفضل سرعة اندماجها في المجتمع الجديد، وانخراطها في سوق العمل. وهناك مفارقة لم أتمكّن من إدراك سرّها، هي أن غالبية ركاب الباص من البولنديين رجال، تقابلهم غالبية من النساء الصوماليات برفقة أطفال صغار.
ما بين السابعة والثامنة يتغير الجو العام بين باص وآخر، فهناك باصٌ يأتي محمّلاً بعمال بناء من جنسيات أوروبية شرقية، بولندية ورومانية، وآخر يستقله الأهل مع أطفالهم في اتجاه دور الحضانة والمدارس. وقريبا من الثامنة، تأتي باصات الطلبة الجامعيين والموظفات. فهناك جامعة غرب لندن وكلية للصحافة في إيلينغ. ويمكن قراءة الليل والنهار في وجوه الصباح. فكل وجه يحمل من الليلة الفائتة والنهار المقبل الكثير، فبعضهم يكمل نومه في الباص وهو في الطريق إلى العمل، وبعضهم الآخر يحضر جدول النهار، وهناك من يستخدم هاتفه المحمول لترتيب مواعيد النهار. وفي بعض الأحيان، تتداخل الأصوات وتتعالى، ليتحول الباص إلى ما يشبه أسواق البازار بلهجاتٍ ولغات مختلفة. وهناك من النساء من فاتها الوقت، لترتيب مكياجها، فتفرش عدتها وتبدأ الغندرة في هذه الساعة المبكرة، لتترك جوا من اختلاط المشاعر لدى الركاب الآخرين، وتمضي في عملها غير مكترثةٍ بنظرات الآخرين.
يختلف الباص 65 عن الباصات الأخرى في أنه يربط بين عوالم مختلفة من لندن، ويعكس في العمق فلسفة الحياة في هذه المدينة التي تقوم على التنوع والتعدّد وكسر الحواجز بين الطبقات والأعراق والديانات.

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ