الاقتصاد الرقمي والريادة…والأمل في الوزارة!

د. عبدالله الزعبي.

أجرت الحكومة تعديلاً على مسمى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فأصبحت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، وتلك خطوة بالإتجاه الصحيح يفترض أن تكون قد نتجت عن أبحاث ودراسات تحمل في طياتها فلسفة لتوجهات الدولة الإقتصادية وسبل تعزيز التنمية وإدامتها في ظل ظروف معيشية صعبة جداً. كما يؤمل بأن تكون الحكومة قد أخذت في إعتبارها كافة أدوات التحول إلى الإقتصاد الرقمي الذي ما فتئت البلاد تسمع جعجعة عنه منذ عقدين ولا ترى طحناً. إن أساس التحول الرقمي لا يعتمد على الإستثمار والملكية الفكرية فحسب، بل يقوم على ثلاثة عناصر أساسية، أولها الإنسان المبدع، وثانيهما الإرادة السياسية مقرونة بالحوكمة والإدارة الرشيدة، وثالثهما البئية العلمية والإبتكارية، والتي تبدو جميعها غائبة عن ساحة الدولة وأولوياتها في الوقت الحاضر. وحتى لا نذهب بعيداً في التحليل وسوق المبررات والأسباب، دعونا نلقي نظرة على التجربة الإسرائيلية في الريادة التكنولوجية والإقتصاد الرقمي والتقدم الذي احرزته حتى قبل نشأتها.
تتصدر إسرائيل دول العالم في عدد الباحثين لكل مليون نسمة الذي يبلغ 8300، وكذلك في نسبة إنفاقها على البحث والتطوير من ناتجها المحلي الإجمالي الذي وصل 4.5% وبمبالغ فعلية قدرها 15.95 مليار دولار عام 2017. كما نشر الباحثون 20391 بحثاً علمياً منها 18372 حازت على اقتباسات عالمية بمعدل 0.74 إقتباساً لكل بحث. واحتلت إسرائيل المرتبة 10 في مؤشر بلومبرج للابتكار العالمي عام 2018، كما اجتذب قطاع التكنولوجيا الفائقة استثمارات بلغت 5.24 مليار دولار عام 2017 وفقاً لمركز أبحاث فنتشر كابيتال، ووفقاً لتقرير النظام الإيكولوجي العالمي للشركات الناشئة لعام 2018، فإن تل أبيب لديها أكبر عدد من الشركات الناشئة للفرد في العالم حيث تنشأ 500 شركة جديدة كل عام، وبهذا تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في عدد الشركات المدرجة في بورصة ناسداك، كما أن شركات التكنولوجيا العالمية من مثل إنتل وجوجل وميكروسوفت لها مراكز بحث وتطوير مهمة فيها، كل ذلك دفع إسرائيل لتحتل المرتبة 21 في العالم حسب دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي، والمرتبة 23 من حيث مستوى المعيشة استناداً إلى دخل الفرد ومتوسط العمر المتوقع والمعايير التعليمية. يرجع الكثير من التقدم إلى القدرات الإبداعية في العلوم التطبيقية والتكنولوجيا حيث التركيز على التعليم والبحث العلمي، إذ حازت إسرائيل على 4 جوائز نوبل في الكيمياء، 2 في العلوم الاقتصادية، وواحدة في الأدب، وأطلقت مؤخراً صاروخ بيريشيت أو سفر التكوين من منصة صقر الفضاء في امريكيا في محاولة لتصبح الدولة الرابعة في العالم التي تهبط على سطح القمر. كذلك يظهر سنوياً التخنيون والجامعة العبرية ومعهد وايزمان للعلوم وجامعة تل أبيب وجامعة بار إيلان وجامعة بن غوريون في النقب في تصنيف شانغهاي لأفضل 500 جامعة في العالم بينما تحتل جامعة حيفا مركزاً جيداً في التصانيف العالمية الأخرى.
لكن الربط ما بين العلم والمشاكل التي تعاني منها البلاد كان السبب الحقيقي في إبتكار توليف تنموي وضع حيز التنفيذ إبتدأ من المؤسسات الأكاديمية من مثل معهد التخنيون الذي أنشئ عام 1924 والجامعة العبرية في القدس عام 1925، ومعهد وايتسمان للعلوم الذي أنشأ عام 1946، إلى المستوطنين الأوائل الذين شاركوا بإجراء الأبحاث الزراعية في مدرسة ميكيف إسرائيل التي تأسست عام 1870 والمحطة الزراعية التي أنشئت في تل أبيب عام 1921، وأصبحت لاحقًا منظمة البحوث الزراعية. كما أطلقت حكومة إسرائيل صناعات الطائرات عام 1951 وفتحت قسم هندسة الطيران في معهد التخنيون، كما شجعت الابتكارات الزراعية التي شملت الري بالتنقيط والمعدات الميكانيكية واستخدام علم الوراثة النباتية لإنتاج محاصيل أفضل وأكثر مقاومة للأمراض، وأنشأت عام 1968 مكتب لكبير العلماء في كل من وزارة الزراعة ووزارة الاتصالات ووزارة الدفاع والبنية التحتية ووزارة الصحة ووزارة الصناعة والتجارة من أجل تعزيز وتشجيع الصناعات القائمة على التكنولوجيا الفائقة، ويعمل كبير العلماء مستشاراً للوزير في مسائل البحث والتطوير الصناعي وينفذ القرارات الحكومية والوزارية في هذا المجال، وكبير العلماء مسؤول أيضاً عن تقديم المساعدات المالية لمشاريع البحث والتطوير بالإضافة إلى التوجيه والتدريب للمشروعات الجديدة والتمويل للحاضنات الصناعية والتكنولوجية، كما يشجع التعاون الدولي للنهوض بالأنشطة الثنائية ويحاول توليد رأس مال لتطوير تكنولوجيا مبتكرة. كما اصدرت الحكومة الإسرائيلية قانون تشجيع البحث الصناعي والتنمية عام 1984 يهدف إلى تطوير الصناعات القائمة على العلوم الموجهة نحو التصدير ويوفر منحاً مناسبة للبحث والتطوير للصناعات التي تسعى إلى تصدير منتجاتها والقادرة على خلق فرص العمل وتحسين ميزان المدفوعات، ويقوم كبير العلماء في وزارة الصناعة والتجارة بمسؤولية تنفيذ هذا القانون.
اليوم، تمتلك إسرائيل 28 متنزهاً علمياً تتعاون بشكل وثيق مع الجامعات المجاورة، من مثل متنزه كريات وايزمان الصناعي ومعهد وايزمان في ريهوفوت؛ متنزهات هار هوتزيم وملكاه التكنولوجية في القدس والجامعة العبرية؛ متنزه ماتام هاي تك في حيفا والتخنيون، واتيديم هاي تك بارك وجامعة تل أبيب. كما بنت اسرائيل 26 حاضنة تعمل على مساعدة رواد الأعمال في إجراء دراسات التسويق والجدوى وتوفير المرافق المادية والإرشاد المهني والإداري وتوظيف رأس المال الاستثماري لاستكمال المقترحات وتحويلها إلى مشاريع تجارية قابلة للتطبيق، حيث نفذ أكثر من 300 مشروع بما في ذلك 173 مشروعاً أكمل أهدافه واستمر بمفرده بعد فترة الحضانة. كما تمتلك إسرائيل حوالي 1800 شركة في مجال البحث والتطوير بما في ذلك الشركات الناشئة وبيوت البرمجيات التي تمثل أكثر من نصف الصادرات من السلع البالغة 20 مليار دولار، ويعمل بها 30 من كل 1000 عامل، وإجمالاً، تخصص إسرائيل 60% من الأموال إلى قطاع الإلكترونيات، بما في ذلك الاتصالات والبيانات والإلكترونيات الطبية وأنظمة الدفاع والبرمجيات، الذي يستوعب حوالي 40 ألف شخص، ثلثهم من خريجي الجامعات، 60% من المهندسين والفنيين المؤهلين تأهيلاً عالياً. كما ساهم البحث والتطوير في تحسين أساليب الرقمنة ومعالجة ونقل الصور والصوت والبيانات ما دفع اسرائيل إلى موقع الريادة العالمية في مجال الألياف البصرية والتفتيش الكهروضوئي وأنظمة لوحات الدوائر المطبوعة وأنظمة الرؤية الليلية للتصوير الحراري وأنظمة تصنيع الروبوتات القائمة على البصريات الكهربائية وتطوير رسومات الحاسوب وأنظمة التصوير والبرامج التعليمية. كما تقوم العشرات من معاهد البحوث الحكومية والدفاعية والمراكز الطبية والجامعات بإجراء الأبحاث والتطوير وتسجيل براءات الاختراع وإنشاء الشركات واستغلال التكنولوجيات التي تطورها تجارياً، إذ حصلت الجامعات الإسرائيلية على ضعف معدل عدد براءات الاختراع التي حصلت عليها الجامعات الأمريكية وتسعة أضعاف ما حصلت عليه الجامعات الكندية. ومن السخرية أن تقوم إسرائيل بإنتاج أغزر محتوى باللغة العربية على الإنترنت.
كما وقعت إسرائيل اتفاقيات تعاون ثنائية في مجال البحث والتطوير مع الولايات المتحدة وكندا وأعضاء الاتحاد الأوروبي والهند وسنغافورة تهدف إلى تشجيع الاتصالات بين إسرائيل والشركات الأجنبية لتسهيل المشاريع المشتركة في البحث والتطوير والتصنيع والتسويق، مثلما أعلنت حديقة العلوم الصينية زي بارك عام 2018 أن متنزه تشونغ قوان تسون بارك للعلوم في بكين سيفتح مكتب اتصال في تل أبيب يكون بمثابة قاعدة أولية للشركات الصينية التي تسعى إلى القيام بأعمال تجارية في إسرائيل، وللشركات الإسرائيلية التي تسعى إلى إيجاد فرص تجارية في الصين. وبالمناسبة، يضم تشونغ قوان تسون أو “وادي السيليكون الصيني” ما يقرب من 20000 مؤسسة عالية التقنية، بما في ذلك لينوفو وبايدو وشاومي بالإضافة إلى حوالي 40 كلية وجامعة، 200 مؤسسة علمية بما في ذلك الأكاديمية الصينية للهندسة، 67 مختبراً حكومياً، 27 مركزاً وطنياً للبحوث الهندسية، 28 مركزاً وطنياً للأبحاث التكنولوجية، 24 مجمعاً جامعياً للعلوم والتكنولوجيا، 29 حديقة رائدة للطلاب الأجانب، وتجاوز إجمالي مبيعاته 800 مليار دولار. وكان زي بارك أنشأ 10 مكاتب اتصال في جميع أنحاء العالم، والمكتب الحادي عشر في تل أبيب الذي سيتم تشغيله بواسطة مجموعة شنجينج، وهي أكبر صندوق لرأس المال الاستثماري العالمي الخاص بالصين.
تتصدر الشركات الناشئة الإسرائيلية كذلك الصناعة في ظل الثورة الصناعية الرابعة، حيث تقدم مجموعة واسعة من الحلول المبتكرة مثل أجهزة الاستشعار والمنصات السحابية وأنظمة التعلم الآلي والطباعة ثلاثية الأبعاد والسلامة والصحة والروبوتات والاستشعار والتصوير والأمن السيبراني، وتتزايد الشركات الناشئة العاملة في مجال الصناعة 4.0 في إسرائيل بنسبة 20٪، ما يجعلها أكبر مركز للابتكار في الصناعة 4.0 خارج الولايات المتحدة. وتلقت الشركات الناشئة في الصناعة 4.0 حوالي 200 مليون دولار من تمويل رأس المال الاستثماري عام 2017، كما أجرت الشركات الدولية الرئيسية عمليات استحواذ مهمة بما في ذلك شراء جنرال الكتريك ديجيتال شركتين ناشئتين إسرائيليتين واستحواذ هانيويل على شركة الأمن السيبراني، مثلما افتتحت شركة سيمنز مختبر داينامو للابتكار في تل أبيب، وأطلقت هيئة الابتكار الإسرائيلية خمسة مختبرات جديدة للابتكار التكنولوجي.
إن الحديث عن الاقتصاد الرقمي والإبداع والإبتكار والريادة والبحث العلمي والجامعات في المملكة ما زال في طور الأمنيات والإستعراض ويتراوح في نفس المكان منذ عقدين لأسباب متعددة رغم بعض إنجازات فردية متميزة. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن تعي الوزارة الجديدة المعوقات التي حالت دون تحقيق إنجاز حقيقي يساهم في إستثمار رأس المال البشري الهائل في البلاد الذي يزخر بالعلم والإبداع، وأن تعمل على ربط كافة الجهات المستهدفة في الدولة، بما فيها الجامعات والقطاع الخاص، وكذلك الإفادة من الممارسات الفضلى في الدول الرائدة في مجال الريادة، وقبل كل شيء، على الوزارة أن تدرك أن ذلك لا يتم بالتمنى والإستعراض، ولكن بجهود جادة ومضنية، ولها في العدو الرابض على مرمى العصا من مقرها خير دليل.

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ