" /> إبتسامة الصحراء.. الدكتور عبدالله الزعبي | الرمثا نت
إبتسامة الصحراء.. الدكتور عبدالله الزعبي

إبتسامة الصحراء

الصحراء كانت قصته وسره، ولدته دونما قصد أو معنى، لكنها بقيت تكفر عن خطيئته حين امتزجت رمالها بطفولته وشقاء روحه. كان حقاً إبن الصحراء في أعماقه، أفاق على الدنيا فيها وتفتحت عيناه، عشق لهيب حرارتها التي تملكت قلبه، ولبث فيها أبداً مسافراً في زوايا التاريخ يلتقط الحقيقة والنجاة. كانت الصحراء أمه، وفي حضنها الدافيء عثر على مرتع الكلمة وحطب العشق والخيال، ففي نهارها كان ينصت إلى أنين الرمال حين تزرع الشمس شعاعها في الجسد الهش، وفي ليلها كان يسهر مع النجوم ويداعب همس القمر وأمنياته.

عاد به سراب الذاكرة إلى بداياتها، إلى اليوم الأول والدرس الأول والمقعد الأول، إنتابته قشعريرة مطمئنة سادت أجواء الحيرة والسؤال عن الصديق الأول، شريكه البدوي في ذاك المقعد، الفتى الدمث الذي غمرت إبتسامته نفسه وحفرت في ثناياها نقش المحبة والحنين. لم يدر إن كان يوم الرحيل بعد بضع شهور يذكره، لكنه حتماً هو يذكره كوضوح القرص في كبد السماء، كان الوداع فيه صعباً على القلب الرقيق؛ إذ ترك رفيقه الأول، أو ظنه الأخير، لا يدري…لكنه تساءل لما تخذله الذاكرة عندما يحتاجها، لما يجهد في تذكر إسمه منذ تلك السنين التي تركها ورائه، نثرها على حواف الطريق السوداء التي ما زالت مذئذ تهرب صوب المغيب، تلاحقه إلى ناحية مسقط رأس أبيه، ولحده هو وأبيه، فمن أجلها هجر مولده والصحراء، فارق تلك الإبتسامة والثغر اللؤلؤة في محياه، طبعها قبلة أبدية على وجنتي أيامه، وسقيا لم تنضب رغم جفاف الشعور وجفاء الإحساس، إبتسامة بريئة نامت على أشواق قلبه بمهده لعله يوماً يفيق.

صديق الطفولة ربما كان إسمه ذيب، ذاك الفتى الذي تمشق الشاشة في عز صباه، ولعل ذيب إبنه أو طيفه، حار ولم يدر…تعجب إن كانت تقلصت مساحة الوادي بين رم والسرحان، أو عسى صديقه عاد يسرد قصته ومأساته مع الصحراء، آب يبوح بسر إسمه الذي توارى في غياهب النسيان، أو يسكب شلال الشوق في واد الشلالة واليرموك. حار ثانيةً ولم يدر، لم يستطع تذكر إسم صديقة الأول، أخذه ذاك البدوي الراحل بين قفار الجفاف، حمل معه إبتسامة العمر وركنها في سرداب الطفولة وقحط المكان، دون ماء أو كلأ أو مرعى، ذبلت وغاب الإسم وما بقي في القلب سوى الضياع ولهيب الشوق والصحراء.

د. عبدالله الزعبي.

google Bot Has Been Deativates !!!

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

إضافة تعليق جديد