أنطوان زحلان…رحلة عمر في نعيم العلم

 

عبدالله الزعبي.

المفكر الجليل أنطوان زحلان شيخ العلم وتأريخه، عروبي من الطراز الرفيع، نهضوي بإمتياز، كأنه الشمس المنيرة، سراج يلوح في الظلماء. حمل هموم الأمة على كتفيه كأنها أمانة من السماء، ولسانه دوماً بالحق ينبض ومداده كدم الشهداء. تجاوز الشيخ حدود جيناته، اللبنانية عبر أبيه والفلسطينية من أمه، ليسبح في فضاء العروبة مذ رأى النور عام 1928 في حيفا، فبيروت وعمان، سفيراً غيوراً للأمة حيث كان، نبعاً ترقرق معينه يروي الصخر والكثبان.

أنطوان زحلان، عالم فيزيائي توج رائداً ومؤرخاً للحركة العلمية العربية الحديثة ورمزاً للدراسات المستقبلية في شأن العلم والتنمية والسيادة. فمنذ نعومة اظفاره تحت وطأة الإنتداب البريطاني وشبح الهجرة الصهيونية، لمس الفجوة العلمية والتقانية الهائلة بين العرب والغرب عند رؤيته للمعارك الضارية بين الاسطول البريطاني والطيران الالماني في ميناء حيفا، فنذر نفسه لتحرير العقل العربي الخامل والنهوض بواقعه العلمي المتردي. قصد بيروت للعلم فحصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء من الجامعة الأمريكية عام 1951 والماجستير عام 1952، ثم نال درجة الدكتوراه عام 1956 من جامعة سيراكيوز بولاية نيويورك الامريكية التي تحمل شعار “المعرفة تتوج الذين يبحثون عنها”. عمل بعد تخرجه أستاذاً ورئيساً لقسم الفيزياء في الجامعة الأمريكية-بيروت في الفترة 1956-1969، ثم استعان به الأمير الحسن بن طلال من اجل إنشاء الجمعية العلمية الملكية، فكان أول رئيس لها إذ أدارها لفترة وجيزة 1969-1970، عاد بعدها للعمل في الجامعة الأمريكية-بيروت في الفترة 1971-1973. أسس منظمة خاصة غير ربحية في بيروت باسم “المشاريع والتنمية العربية” لتقديم الخدمات الإستشارية التي تعنى بالأنظمة والسياسات العلمية وأدارها في الفترة 1973-1976، ثم عمل استاذاً زائراً في جامعة سسكس في المملكة المتحدة في الفترة 1976-1978، فمستشاراً لجامعة الدول العربية للإعداد لاجتماع القمة العربية 1980-1981، ثم عضواً للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في الفترة 1983-1988، وهو عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية وعضو مجلس محافظي فلسطين للتنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار منذ عام 1993، وكان أول رئيس منتخب للجمعية الفيزيائية العربية عام 1975 إذ تولى تنظيم أول مؤتمر للعقول العربية المهاجرة الذي عقد في بلودان، سوريا، عام 1970. كما كان أستاذاً زائراً في جامعة ستانفورد وجامعة نورث كارولينا-تشاپل هل والمركز الدولي لأبحاث التنمية في كندا.

اقترن زحلان بالمؤرخة الفلسطينية روزماري سعيد، شقيقة إدوارد سعيد والأخت الكبرى لأربع شقيقات، والدها رجل الأعمال الثري وديع سعيد. درست روزماري علم الموسيقى في كلية برين ماور للمرأة بولاية بنسلفانيا لكنها لم تمارس المهنة نتيجة لحادث سيارة أدى إلى إصابة يديها وكسر عدة فقرات في ظهرها. حصلت على درجة الدكتوراه حول موضوع طريق البحر الأحمر إلى الهند في كلية الدرسات الشرقية والأفريقية بلندن. عملت مع رفيق دربها في مشروع مكتبة غزة لتوريد الكتب إلى فلسطين، وكانت راعية لحملة التضامن الفلسطينية فى بريطانيا، إذ كانت فلسطين ومعاناة شعبها قضية عمرها وهدف حياتها التي انتهت بسلام عام 2006.

طفح قلب المفكر زحلان بأشجان الأمة وقضاياها طيلة حياته وعمره المديد فقدم فيضاً من الكتب والأبحاث والمؤلفات والدراسات في مجالات العلم والتكنولوجيا والقوى البشرية والتربية والتعليم، فمن “آثار الهزيمة وجامعاتنا الوطنية”، “هجرة العقول”، “المسؤولية الاجتماعية للعلماء والعرب”، “العلم والسياسة العلمية في الوطن العربي”، “البعد التكنولوجي للوحدة العربية”، مروراً بكتاب “العرب والعلم والثقافة”، “العلم والتكنولوجيا في الصراع العربي الإسرائيلي”، إلى “العلم والسيادة-التوقعات والإمكانات في البلدان العربية” وأخيراً “العلوم، التنمية والسيادة في العالم العربي”، غيث من الكتب والمؤلفات التي تعكس معاناة الروح والعقل معاً في السعي إلى بناء قاعدة معرفية رصينة لمشروع الثقافة العلمية العربية.

أنطوان زحلان “حكاية العربي الأخير”، ذاك الذي جاب العالم يحاضر ويستكشف ويناظر، يطلب خلاص الأمة دون أن يتعثر في إشكالاتها السياسية أو ينزلق في متاهات إرثها الثقافي، بل بقي متماسكاً منشغلاً بنور الكتاب ومركزاً على هدف التنوير والهداية، حاشداً جهده وإمكاناته على مدى عقود طويلة لإطلاق شعلة النهضة العلمية والحضارية لأمة عريقة تنتابها لحظة غفلة وأستخفاف وإهمال. أنطوان زحلان يستحضر وجدان العروبة بأكملها كأنه أمة في رجل، تنحني الهامات إجلالاً وإكباراً له، شيخاً في التسعين، أتى بالفكر والنور والحجة ناصعةً، فأضحت دليلاً للهدي ووجبت.

 

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. ابراهيم الشقران \\ ابو ظبي 18 يناير, 2019 at 19:43 رد

    الشكر الجزيل للدكتور عبد الله على هذه المعلومات القيمة
    وفقك الله فأسلوبك التعبيري الرقراق يأسر القارئ

إضافة تعليق جديد